رأي

من يكتب الرواية يملك المستقبل

هشام محمد شريف

 

هشام محمد شريف

صراع السرديات في زمن تزييف الذاكرة

“من يسيطر على الماضي، يسيطر على المستقبل؛ ومن يسيطر على الحاضر، يسيطر على الماضي.”

— جورج أورويل

هذه المقولة التي دوّنها أورويل في روايته 1984 لم تكن مجرد تأمل فلسفي، بل كانت كشفًا مبكرًا لآلية اشتغال السلطة في عصرنا: احتكار السرد هو أخطر أشكال الهيمنة، لأنه لا يكتفي بفرض الإرادة بالقوة، بل يعيد تشكيل الوعي الجمعي من جذوره. فالتاريخ، كما نعرفه، ليس ما كان، بل ما يُسمح له أن يُقال. ومن يمتلك مفاتيح هذا السرد يمتلك القدرة على رسم ملامح المستقبل كما يشاء.

التاريخ سلاح: كيف يُزور الحاضر كما زُوّر الماضي؟

في كل صراع، هناك معركتان: معركة على الأرض، ومعركة على الرواية.

الأولى تنتهي بسقوط المدن، والثانية تبدأ بعد ذلك بسقوط الذاكرة.

فما إن تنتهي الحروب، حتى تبدأ حروب التوثيق: من يكتب تقارير المعارك؟ من يحدد أسماء الشهداء والضحايا؟ من يقرر أي الروايات تخلد في المناهج الدراسية وأيها تدفن في أرشيف النسيان؟

هذا الصراع على السرد ليس وليد اللحظة.

ففي مصر، كما اسلفنا في مقالنا السابق

“المتمصرون الجدد: حكايات التزوير الديمغرافي وسرقة ذاكرة النوبة” ، جرت عملية ممنهجة لإعادة كتابة التاريخ على مدى قرون. فبعد أن غزا الموجات المتعاقبة الأرض، شرع أحفادهم في اغتصاب الذاكرة. لم يكن ذلك ترفًا أكاديميًا، بل مشروعًا سياسيًا صُمم لإطفاء أي نور قد يقود إلى الحقيقة.

المأساة أن عملية التزوير هذه تمت على مراحل: بدأت بسرقة الحجر، ثم محو الذاكرة الإنسانية، وانتهت بتزييف عميق للهوية امتد ليشمل كل شيء.

إنها سرقة مزدوجة: سرقة الأرض أولاً، ثم سرقة شرعية الوجود عليها ثانيًا، عبر طمس أي أثر قد يربط السكان الأصليين بماضيهم

غياب التوثيق: حين يكتب المنتصر التاريخ وحده

هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا يحدث عندما تغيب رواية أصحاب الأرض الحقيقيين؟ عندما لا يوثق أبناء الهامش تاريخهم بأنفسهم، وعندما تفتقر المجتمعات المهمشة إلى أدواتها الخاصة لتسجيل روايتها، فإن الفراغ لا يبقى فارغًا بل يملؤه المنتصرون بروايتهم الخاصة.

إن غياب التوثيق من طرف الضعفاء يعني أن المنتصر سيكتب الرواية وحده.

وسيُصاغ التاريخ وفق رؤيته، وسيُعاد تشكيل الهوية بما يخدم مصالحه، وسيُحاكم الأجداد في محاكم النسيان. وكما يحدث اليوم مع محاولات طمس الهوية النوبية الأصلية لمصر، فإن الحاضر يُزور بنفس الطريقة التي زُوّر بها الماضي: باحتكار السرد، وتهميش الروايات البديلة، وتقديم رواية واحدة على أنها الحقيقة المطلقة.

يقول الباحثون في شؤون الهوية إن “الهوية المصرية كانت هدفًا دائمًا لمحاولات إعادة الصياغة عبر العصور”.

وهذا ليس حدثًا عابرًا، بل هو صراع مستدام على الذاكرة واللغة والرموز.

الحجر لا يكذب، والدم في العروق لا يتجنس

لكن هناك دائمًا مقاومة. فالحقائق المادية الحجر، العظام، الحمض النووي، الآثار تظل شواهد صامدة لا تمحى بسهولة.

إن تحليلات الحمض النووي ودراسات فنون العمارة والهيروغليفية القديمة تقدم أدلة دامغة على أصول الحضارة المصرية الأولى وارتباطها العميق بأهل النوبة.

وكما تشير الدراسات إلى أن تسمية “النوبة” ذاتها مشتقة من الكلمة الهيروغليفية “نوب” التي تعني الذهب، فإن هذا ليس مجرد اشتقاق لغوي، بل هو شاهد على عمق الجذور الحضارية التي يحاول البعض طمسها. فالذهب الذي زين كنوز الفراعنة كان يأتي من مناجم النوبة، واليد التي شيدت الأهرامات هي نفسها التي خطت حضارة كرمة ونبتة ومروي.

من يكتب الرواية يملك المستقبل

في النهاية، يظل السؤال مفتوحًا:

من سيكتب تاريخ هذه الحرب؟ من سيوثق ما يحدث اليوم على أرض الواقع؟ هل سيكون المنتصرون وحدهم، أم أن أصوات الهامش ستجد طريقها إلى التوثيق قبل فوات الأوان؟

إن معركة السرديات ليست معركة كماليات، بل هي معركة وجود. فمن يخسر تاريخه يخسر هويته، ومن يخسر هويته يخسر مستقبله.

وإذا كان الماضي قد زُوّر، فإن الحاضر يُزور الآن بنفس الآليات. لكن الحقيقة، مهما طال ليل الزيف، لا بد أن تشرق من جديد لأن الحجر لا يكذب، والدم في العروق لا يتجنس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!