رأي

المجتمع المدني النخبوي : بين اوهام الاستقلالية ومسارات التحرر الوطني 

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

لا أعتقد أن الأزمة السودانية تكمن في غياب المجتمع المدني، وإنما في غياب مراجعة جادة لمفهومه ووظيفته ومعايير شرعيته. فقد جرى، خلال العقود الماضية، التعامل مع “المجتمع المدني” بوصفه عنوانًا يمنح صاحبه تلقائيًا صفة الاستقلال والتمثيل والحياد، حتى أصبح هذا الوصف في كثير من الأحيان بمنزلة حصانة أخلاقية تعفي المؤسسات من النقد والمساءلة. ومن وجهة نظري، فإن هذا الافتراض هو أحد أكثر الافتراضات التي تستحق المراجعة في النقاش السوداني المعاصر.

فالاستقلالية ليست اسمًا يُطلق على منظمة، ولا شهادة يمنحها الممول أو الاعتراف الدولي، وإنما هي ممارسة تُقاس بقدرة المؤسسة على اتخاذ مواقفها بحرية، وعلى مساءلة جميع الفاعلين بالمعيار نفسه، وعلى استمداد شرعيتها من المجتمع الذي تدّعي تمثيله، لا من مكانتها في المنابر السياسية أو المؤتمرات الدولية.

ومن هنا، أرى أن السؤال الحقيقي ليس: هل لدينا مجتمع مدني؟ بل: أي مجتمع مدني نريد؟ وهل استطاع النموذج الذي تشكل في السودان منذ الاستقلال أن يبني صلة عضوية بالمجتمع، أم أنه ظل، في أجزاء مؤثرة منه، أقرب إلى فضاء نخبوي محدود، أكثر حضورًا في دوائر السياسة والإعلام من حضوره في البيئات الاجتماعية التي تعيش آثار الحرب والتهميش والفقر؟

في تقديري، ورث السودان بعد الاستقلال مؤسسات الدولة الحديثة دون أن ينجز مراجعة عميقة للأسس التي قامت عليها علاقتها بالمجتمع. وانعكس ذلك، بدرجات متفاوتة، على عدد من المؤسسات المدنية التي نشأت في هذا السياق. وبدلاً من أن تتحول إلى جسور بين المجتمع والدولة، بقي بعضها أسيرًا لمنطق النخبة، يكرر اللغة نفسها، ويتحرك داخل الشبكات نفسها، ويعيد إنتاج الفاعلين أنفسهم، بينما ظل ملايين السودانيين، خاصة في الأقاليم، خارج دوائر التأثير وصناعة القرار.

ولا يعني ذلك نفي وجود مبادرات مدنية وطنية مستقلة أو التقليل من تضحيات كثير من الناشطين، فهذه حقيقة لا يمكن تجاوزها. لكن من الضروري أيضًا الاعتراف بأن المشهد المدني ليس كتلة واحدة، وأنه يضم تجارب متفاوتة في الاستقلال والتمثيل والفاعلية، وأن إخضاعها للنقد لا ينتقص من قيمة المجتمع المدني، بل يعززها.

ومن أكثر القضايا التي تستحق نقاشًا مسؤولًا مسألة التمويل الخارجي. فالتمويل ليس، في ذاته، دليلًا على التبعية، كما أنه ليس بمنأى عن التساؤل. وكلما ازداد اعتماد أي مؤسسة على موارد خارجية، ازدادت أهمية الإفصاح والشفافية والمساءلة، حتى تظل أولوياتها نابعة من احتياجات المجتمع، لا من اعتبارات الجهات الداعمة أو من طبيعة البرامج الدولية السائدة.

ومن وجهة نظري، فإن أحد أوجه الخلل يتمثل في أن النقاش المدني في السودان انصرف، في أحيان كثيرة، إلى إدارة الملفات الإجرائية والقطاعية، بينما تراجعت الأسئلة الكبرى المتعلقة بإعادة بناء الدولة، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المتوازنة، والعلاقة بين المركز والأطراف. وبهذا المعنى، لم تكن المشكلة في الدفاع عن حقوق الإنسان أو الحريات، بل في أن هذه القضايا انفصلت أحيانًا عن سياقها الوطني الأشمل، فأصبحت تُناقش بمعزل عن البنية السياسية والاقتصادية التي تنتج الأزمات نفسها.

وإذا كانت العملية السياسية المقبلة تستهدف تأسيس سلام مستدام، فإن مشاركة المجتمع المدني يجب ألا تُبنى على مجرد حمل هذه الصفة، وإنما على معايير واضحة وشفافة، في مقدمتها الشرعية المجتمعية، والاستقلال المؤسسي، والشفافية المالية، والحوكمة الداخلية، والقدرة على تمثيل التنوع السوداني، والالتزام بالمساءلة أمام القواعد الاجتماعية.

ولا أرى أن الاعتراف الدولي، أو الحضور الإعلامي، أو المشاركة في المؤتمرات، يمكن أن يكون بديلًا عن الشرعية المجتمعية. فالمنظمة التي لا تملك امتدادًا حقيقيًا وسط الناس، ولا آليات واضحة لمساءلتها من قواعدها، ينبغي أن تخضع، مثل غيرها، لتقييم موضوعي عند الحديث عن تمثيل المجتمع المدني في أي مسار سياسي.

كما أرى أن السودان بحاجة إلى إعادة الاعتبار للمبادرات المحلية، والروابط المجتمعية، والنقابات المهنية المستقلة، والتنظيمات القاعدية، لأنها الأقرب إلى فهم احتياجات المجتمعات المحلية، والأقدر على نقل أولوياتها بصورة مباشرة، بعيدًا عن مركزية القرار واحتكار التمثيل.

أما في ما يتعلق بالسلام، فإن أي عملية سياسية جادة يجب أن تنطلق من مبادئ واضحة: حماية المدنيين، ووقف العنف، وتوسيع المشاركة، واحترام التنوع، وترسيخ سيادة القانون، وضمان المساءلة عن الانتهاكات وفق الأطر القانونية المختصة. فالسلام لا يستقر إذا قام على الإقصاء، كما لا يستقر إذا تجاهل العدالة أو اكتفى بتسويات سياسية قصيرة الأجل.

وفي تقديري، فإن العلاقة مع الشركاء الإقليميين والدوليين يجب أن تُبنى على أساس دعم الجهد السوداني، لا الحلول محله. فالمجتمع الدولي يستطيع أن ييسر الحوار، ويقدم الدعم الفني والإنساني، لكنه لا يستطيع أن يمنح أي طرف شرعية لا يستمدها من مجتمعه، ولا أن يصنع توافقًا وطنيًا من خارج الإرادة السودانية.

ولهذا، فإنني أرى أن إصلاح المجال المدني يبدأ بإصلاح مفهوم الشرعية ذاته. فالشرعية لا تُشترى، ولا تُمنح، ولا تُحتكر، وإنما تُبنى بالتراكم، وبالالتصاق بقضايا الناس، وبالشفافية، وبالقدرة على النقد الذاتي قبل نقد الآخرين

إن السودان لا يحتاج إلى مجتمع مدني فوق النقد، بل إلى مجتمع مدني يرحب بالنقد لأنه يدرك أن المراجعة شرط للتطور. ولا يحتاج إلى مؤسسات ترفع شعار الاستقلال، بل إلى مؤسسات تستطيع أن تثبت استقلالها بالممارسة اليومية. ولا يحتاج إلى احتكار جديد للحديث باسم الشعب، بل إلى توسيع دوائر المشاركة حتى يصبح المجتمع نفسه هو المصدر الحقيقي للشرعية.

وفي نهاية المطاف، أرى أن بناء الدولة السودانية الجديدة لن يتحقق بمجرد تغيير الحكومات أو توقيع الاتفاقيات، وإنما بإعادة بناء مؤسسات المجال العام كلها على أسس من الاستقلال، والشفافية، والتمثيل، والمساءلة. وعندما يصبح المجتمع المدني جزءًا من هذا المشروع الوطني، لا بديلاً عنه ولا وصيًا عليه، يمكن أن يؤدي دوره الحقيقي بوصفه شريكًا في صناعة السلام والتحول الديمقراطي، لا مجرد فاعل سياسي يحمل اسمًا أكبر من أثره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!