
عماد جدو
في اللحظات التي كان فيها الاتفاق الإطاري يقترب من التوقيع النهائي، بدا للكثير من السودانيين أن البلاد تقف على أعتاب مرحلة جديدة قد تنهي حالة الانسداد السياسي وتفتح الطريق أمام انتقال مدني، ولو بصورة جزئية. غير أن ما جرى خلف الكواليس كان مختلفاً تماماً؛ إذ كانت الحركة الإسلامية واللجنة الأمنية للنظام السابق تعملان وفق سيناريو محكم لإفشال العملية السياسية، وإعادة إنتاج الحرب باعتبارها الوسيلة الوحيدة لاستعادة السيطرة على الدولة.
لقد شكّلت ورشة الترتيبات الأمنية والعسكرية النقطة الأكثر حساسية في الاتفاق الإطاري، لأنها وضعت لأول مرة سؤال إصلاح المؤسسة العسكرية ودمج القوات المتعددة على الطاولة بصورة مباشرة. وهنا تحديداً بدأت علامات الانقضاض تظهر بوضوح. فقد رفضت اللجنة الأمنية للجيش حضور الجلسة الأخيرة للورشة، وهو غياب لم يكن مجرد موقف احتجاجي عابر، بل خطوة محسوبة بعناية لنسف التوافق وخلق أزمة ثقة بين الجيش وقوات الدعم السريع.
ذلك الغياب عقد المشهد السياسي بصورة متعمدة، وفتح الباب أمام صناعة خطاب جديد يقوم على تصوير الاتفاق الإطاري باعتباره “مؤامرة” تستهدف الجيش، بينما كانت قيادة قوات الدعم السريع تتمسك بالمضي قدماً في الاتفاق الاطاري باعتباره مدخلاً لتسوية سياسية تعيد ترتيب السلطة. ومن هنا بدأت ملامح الصراع تظهر بصورة أوضح: طرف يريد إبقاء الدولة داخل دائرة السيطرة العسكرية التقليدية، وطرف آخر يعتقد أن الاتفاق ينهي الأزمة ويعمل علي ابتعاد المكون العسكري من السياسة والاقتصاد ويعمل علي الاستقرار السياسي.
لكن الأخطر من ذلك أن الحركة الإسلامية، بحسب كثير من المؤشرات، لم تكن تتعامل مع الخلاف باعتباره أزمة سياسية قابلة للحل، بل باعتباره تمهيداً للحرب. ولهذا بدأت مبكراً في إعادة ترتيب أدواتها التنظيمية والإعلامية والاجتماعية استعداداً للمعركة القادمة. وذلك لشكل المرونة في التعامل معها بسبب وجود الدولة العميقة. وهذا مكن الحركة الإسلامية من الاعداد لخوض هذه المعركة علي عدة مستويات اولها
الغرف الإلكترونية وصناعة السردية
قبل اندلاع الحرب بفترة، نشطت بصورة ملحوظة الحسابات الإلكترونية المرتبطة بالحركة الإسلامية والواجهات الإعلامية التابعة لها. وتم إعداد خطاب موحد يقوم على عدة مرتكزات:
تصوير الحرب باعتبارها “حرب كرامة وطنية”.
تحويل الصراع من نزاع سياسي داخل المنظومة العسكرية إلى معركة وجود ضد “التمرد”.
تعبئة الرأي العام عبر خطاب عاطفي وديني وقومي.
إنتاج محتوى مكثف يرفض ويربط أي دعوة للحل السياسي بالخيانة أو العمالة.
وقد لعبت هذه الغرف الإلكترونية دوراً محورياً في السيطرة على المزاج العام، خاصة في الساعات الأولى للحرب، حيث جرى ضخ روايات جاهزة ومقاطع مصورة وشعارات معدة مسبقاً، بما يكشف أن السردية لم تكن وليدة لحظة الانفجار، بل جزءاً من إعداد طويل.
وثانيهاهو اختراق المجال الفني والثقافي
لم تقتصر التحضيرات على الجانب العسكري والإعلامي فقط، بل امتدت إلى المجال الفني والثقافي. فقد جرى، وفق ما يتداوله مراقبون، استقطاب فنانين وفنانات ودرامين وشخصيات مؤثرة للمشاركة في صناعة المزاج التعبوي للحرب.
الأغاني الوطنية الحماسية، والرسائل العاطفية، والمحتوى الذي يمجد المؤسسة العسكرية، كلها تحولت إلى أدوات تعبئة نفسية تخدم استمرار الصراع. وكان الهدف خلق بيئة اجتماعية تعتبر الحرب واجباً وطنياً لا يمكن معارضته.
وهنا يتجلى خبث ومكر الحركة الإسلامية العميق لأهمية “القوة الناعمة”مستندة علي خبرة ثلاثة عقود في إدارة الحروب .وحياكة الموامرات، إذ لم تعد المعركة فقط بالسلاح، بل بالوعي والوجدان والصورة. وثالثها
اختراق القطاعات المهنية والخدمية
من أخطر ما يثار حول تلك المرحلة الحديث عن اختراق قطاعات مرتبطة مباشرة بحياة الناس، مثل
الأطباء. والمعلمين والتجار واصحاب الاعمال الحره.والموظفين في الخدمة المدنية .لقد تم اختيار هولاي بعناية فائقة ويوجد فيهم اصحاب الولاء وهناك المتعاطفين المستفيدن من امتيازات نظام الانقاذ. والشخصيات العامة ذات
ذات التأثير المجتمعي.
الهدف من ذلك لم يكن سياسياً فقط، بل أمنياً ومعلوماتياً أيضاً. فالحرب الحديثة تعتمد بصورة كبيرة على شبكات المعلومات داخل المجتمع، وليس فقط على القوة العسكرية المباشرة.
وفي هذا السياق، اكتسب حديث عبد الفتاح البرهان أهمية كبيرة عندما أشار إلى تعاون بعض الأطباء مع الجيش في تقديم معلومات تتعلق بتحركات قوات الدعم السريع. هذا التصريح فتح باباً واسعاً للتساؤلات حول حجم الشبكات المدنية التي كانت تعمل في خلفية الصراع، وكيف تحولت بعض المهن الإنسانية إلى جزء من المعركة الاستخباراتية.
كما يكشف ذلك أن الحرب لم تكن مجرد مواجهة بين قوتين مسلحتين، بل عملية تعبئة شاملة شاركت فيها قطاعات متعددة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ان عنصر المفاجأة وغفلة المجتمع
بينما كانت هذه الترتيبات تتم بهدوء، كان جزء كبير من الشعب السوداني منشغلاً بالأزمة المعيشية وبالآمال المعلقة على الاتفاق السياسي. كثيرون لم يتوقعوا أن البلاد تتجه نحو انفجار شامل، لأن الخطاب الرسمي ظل يتحدث عن التسوية والحوار.
لكن في الواقع، كانت ماكينة الحرب قد اكتملت تقريباً بتوفير الخطأ التعبوي.واعلام إلكتروني منظم
شبكات اجتماعية مخترقة.
تحالفات داخل مؤسسات الدولة.
تعبئة نفسية ودينية مسبقة.
وحين اندلعت الحرب، بدا وكأن هناك من كان مستعداً لكل شيء منذ وقت طويل، بينما فوجئ عامة السودانيين بحجم الانهيار وسرعته.
إن ما حدث قبل انهيار الاتفاق الإطاري لا يمكن قراءته باعتباره مجرد خلاف سياسي عابر بين الجيش والدعم السريع، بل كصراع عميق حول شكل الدولة ومن يسيطر عليها. فالحركة الإسلامية واللجنة الأمنية أدركتا أن أي انتقال مدني حقيقي قد ينهي نفوذهما التاريخي داخل مؤسسات الدولة، ولذلك جرى التعامل مع الاتفاق الإطاري باعتباره تهديداً وجودياً يجب إجهاضه بكل الوسائل.
وبينما كان السودانيون يحلمون بدولة مدنية واستقرار سياسي، كانت ترتيبات الحرب تُنسج بهدوء داخل الغرف المغلقة، لتدخل البلاد بعدها في واحدة من أكثر مراحلها دموية وتعقيداً في تاريخها الحديث.




