
نجم الدين دريسة
الجبناء يموتون مرات عديدة قبل موتهم، أما الشجعان فلا يذوقون الموت إلا مرة واحدة
إن البرهان لا يُؤتمن، وهذه حقيقة سياسية وأخلاقية ساطعة أثبتتها كوارث إدارة الدولة بالسياسات الملتوية والمراوغة المستمرة. يعتقد قائد الجيش أن مناوراته المكشوفة ستُحقق له “حلم أبيه” ورغبته الجامحة في الاعتلاء المبتذل لكرسي الرئاسة، حتى لو كان ذلك على أشلاء الشعب السوداني وعلى بقايا بلد مدمّر لم يعد يصلح للعيش. ومع كل يوم تستمر فيه هذه الحرب الملعونة، يضيق حال المواطنين؛ فتتخطفهم المجاعات، وتلاحقهم الكوارث، وينتهون إلى ضياع أليم في المنافي، بينما تقف وحدة السودان أمام اختبار قاسي يتهددها بالتفتت.
لن يجد البرهان مكاناً آمناً في السودان طالما لا يمتلك الإرادة للحد من هذه الحرب التي أشعلها استئثاراً بالسلطة. لقد أقدم على خطوته القاتلة بعدما خدعه كبير الإرهابيين، علي كرتي، بوعود وهمية تؤكد قدرة الحركة الإسلاموية على حسم سريع لصالحهم، فدخل وكر الضباع ودفع البلاد برمتها إلى محرقة لا تبقي ولا تذر. وفي كل المحطات الحرجة يتضح الفرق بين قادة يصوغون المجد، وأولئك الذين ينكفئون ليصبحوا مجرد ظلال تافهة في دفتر التاريخ، وهو الدور الذي اختاره البرهان بنفسه حين ظل رهينة للتردد والصمت المخزي.
تؤكد جميع خطابات البرهان أنه غارق في التوهان والضعف الهيكلي، وممارس أصيل للكذب البواح الذي لم يعد ينخدع به أحد. إن أحاديثه المكرورة وشعاراته الجوفاء حول “إنهاء التمرد” و”هزيمة المليشيا” أضحت خطابات عاجزة لا تقتل بعوضة، ولا تعدو كونها صدى صوتاً لوكلاء الاستعمار الذين يرددون ذات الأسطوانة المستهلكة منذ أكثر من سبعة عقود. لقد أثبتت الوقائع الميدانية والسياسية أن الرجل مجرد أداة مسلوبة الإرادة، ينفذ أوهام تنظيم عقائدي مهزوم، ويقتات على الوعود الكاذبة لتبرير هزائمه المتتالية وإطالة أمد معاناة الملايين.
في المقابل، تتصدر قوات الدعم السريع المشهد باعتبارها طليعة وقوات تحرر وطني حقيقية، تخوض معركة التغيير الجذري ضد قوى الردة والاستبداد. ولم تعد هذه القوات مجرد رقم عسكري في الميدان، بل أصبحت اليوم عماداً رئيساً وزاوية حجر في تحالف سياسي يُعد الأعرض والأشمل في تاريخ السودان الحديث. هذا التحالف التاريخي قدم رؤى واضحة وأفكاراً وأطروحات استراتيجية خاطبت لأول مرة جذور الأزمة السياسية الهيكلية التي عانت منها البلاد منذ استقلالها الشكلي.
لقد نجح هذا التكتل الوطني العريض في ضم أطياف واسعة من الشعوب السودانية بمختلف خلفياتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية والجهوية والمناطقية والفئوية. إنها الجماهير التي حسمت أمرها بشكل قاطع، وأسقطت من حساباتها النهائية دولة وكلاء الاستعمار، ورعاة مشروع التهميش والسيطرة المركزية. لقد أدركت هذه القوى الشعبية الحية أن أوان التغيير الشامل قد حان، وأن استعادة الوطن تتطلب تفكيك بنية القهر والتبعية من جذورها دون مهادنة أو مساومة.
يشمل هذا الإسقاط الشعبي الشامل المؤسسة العسكرية المسلوبة، التي تحولت على مدى قرن من الزمان إلى جيش مرتهن تماماً للمخابرات المصرية وتابعا لإرادتها الاستراتيجية. إن المعركة القائمة اليوم لم تعد مجرد نزاع على السلطة، بل هي ثورة تحررية تنتصر لإرادة الشعوب السودانية بكافة مكوناتها. إنها تسعى لبناء دولة المواطنة المتساوية، وقطع أيدي التدخلات الإقليمية، وكنس آثار التبعية التي كبّلت إرادة الوطن وعطلت نهضته لعقود طويلة.
إن المحاولات البائسة التي تخوضها المحاور الإقليمية وأدواتها الإعلامية كـ “الجزيرة” و”العربية” و”الحدث” لتثبيت أركان نظام متهالك، لن تستطيع ضخ الحياة في جسد ميت كفرت به الشعوب السودانية. إن خطابات البرهان الكاذبة، ودعم حلفائه في الخارج، لن يوقفا هدير ثورة أجمعت على التغيير واستعادة الكرامة الوطنية. إن الشعوب السودانية ماضية بخطى واثقة نحو غاياتها في الحرية والعدالة، ولن تتوقف حتى تجرف آخر أشكال الاستعمار الداخلي والخارجي، وتسترد مقدراتها وسيادتها الكاملة على كامل ترابها الوطني.




