
د. اخلاص قرنق
هناك سؤال لم يعد من الممكن الهروب منه:
لماذا كلما اقتربت فرصة الهدنة والسلام في السودان، ارتفعت أصوات الحرب والحسم العسكري؟
هل فعلاً لا يوجد طريق لإنقاذ السودان سوى استمرار القتال؟
وهل يحتاج السودان إلى مئة عام من الحرب حتى تنتصر الدولة؟
أم أن هناك من يرى في استمرار الحرب فرصة لإعادة ترتيب المشهد السياسي، وإعادة قوى سياسية فقدت السلطة إلى واجهة الدولة من جديد؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً، لأن المواطن السوداني هو الذي يدفع ثمن الإجابة عنها.
من يدفع فاتورة “الحسم”؟
من السهل أن يتحدث السياسي أو العسكري عن الصمود، والحسم، والانتصار، ومواصلة القتال مهما طال الزمن.
لكن السؤال هو: هل يدفع هؤلاء ثمن الحرب من حياتهم وأسرهم ومنازلهم وأرزاقهم؟
المواطن هو الذي يُقتل.
المواطن هو الذي ينزح.
المواطن هو الذي يجوع.
المواطن هو الذي يبحث عن الدواء.
المواطن هو الذي فقد بيته ومدرسته ومستقبله.
أما أصحاب القرار، فيملكون عادةً ما يكفي من الوسائل التي تجعلهم أقل تعرضاً لكلفة الحرب المباشرة.
ولهذا فإن عبارة “سنقاتل ولو مئة عام” ليست مجرد عبارة حماسية.
إذا أُخذت حرفياً، فهي تعني أن هناك استعداداً لتحويل السودان إلى ساحة حرب مفتوحة، وأن عمر المواطن وأمنه ومستقبل أبنائه يمكن أن يصبح ثمناً لمشروع سياسي أو عسكري.
وهنا يجب أن نتوقف.
الجيش شيء… ومن يستخدم الجيش شيء آخر
نحن لا نتحدث هنا عن الجيش السوداني باعتباره مؤسسة وطنية لها تاريخها ومكانتها.
بل نتحدث عن تسييس المؤسسة العسكرية واستخدامها كأداة في صراع سياسي طويل.
الجيش يجب أن يحمي الدولة، لا أن يكون وسيلة لعودة حزب أو تيار سياسي إلى الحكم.
وهنا تكمن الخطورة.
فإذا كانت بعض القوى الإسلامية التي فقدت السلطة بعد سقوط نظام البشير ترى أن بقاء الحرب هو الطريق الوحيد لاستعادة نفوذها، فإن تحويل الجيش إلى بوابة للعودة السياسية يصبح خطراً ليس فقط على خصومها، وإنما على الجيش نفسه.
لأن الجيش عندما يدخل إلى السياسة يصبح من الصعب عليه أن يخرج منها.
والأخطر من ذلك أن المواطن قد يجد نفسه أمام معادلة زائفة:
إما الحرب، وإما سقوط الدولة.
وهذه ليست الحقيقة الوحيدة الممكنة.
هناك طريق ثالث:
وقف الحرب، وبناء الدولة.
هل أصبح السلام عدواً؟
المفارقة أن كل هدنة تفتح نافذة صغيرة للسلام، لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم المصالح المرتبطة باستمرار الحرب.
فالسلام يعني عودة النازحين.
السلام يعني فتح الأسواق.
السلام يعني إعادة بناء المؤسسات.
السلام يعني بدء الحديث عن الانتخابات والشرعية السياسية.
السلام يعني أن السلاح لن يكون هو صاحب الكلمة الأخيرة.
وهنا ربما تكمن المشكلة.
لأن بعض القوى التي يمكن أن تستفيد من الفوضى والحرب قد تجد أن السلام أخطر عليها من الحرب.
الحرب تؤجل السؤال السياسي، أما السلام فيفرضه.
وفي زمن الحرب يمكن أن يُقال:
“ليس الآن وقت السياسة… نحن في معركة.”
لكن عندما تتوقف المدافع، سيعود السؤال:
من يحكم السودان؟
وبأي شرعية؟
ومن المسؤول عن الحرب؟
ومن المسؤول عن الجرائم والانتهاكات؟
ومن يملك الحق في إعادة تشكيل الدولة؟
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية.
الإخوان يريدون العودة… ولكن بأي ثمن؟
إذا كان هناك مشروع لدى الحركة الإسلامية أو القوى المرتبطة بالنظام السابق للعودة إلى السلطة عبر بوابة الجيش، فإن الشعب السوداني يجب أن يكون واعياً لهذه اللعبة السياسية.
فالعودة إلى السلطة لا ينبغي أن تتم عبر الدم.
ولا عبر تحويل الجيش إلى حزب سياسي مسلح.
ولا عبر استمرار الحرب حتى ينهك المجتمع ويصبح مستعداً لقبول أي سلطة توفر له الحد الأدنى من الأمن.
لقد جرب السودان حكم الإسلاميين لثلاثة عقود.
وكانت النتيجة في النهاية سقوط النظام وانفجار الغضب الشعبي ضده.
ولهذا فإن إعادة إنتاج المشروع نفسه تحت مظلة الحرب لن تكون حلاً للأزمة السودانية، بل إعادة تدوير لها.
لا تستخدموا المواطن كرهينة
أكثر ما يؤلم في المشهد السوداني أن المواطن أصبح رهينة لشعارات أكبر منه.
يُطلب منه أن يصبر.
أن يتحمل.
أن يموت.
أن ينزح.
أن يجوع.
ثم يُقال له إن كل ذلك من أجل الوطن.
لكن الوطن ليس الأرض فقط.
الوطن هو الإنسان.
وإذا مات الإنسان، ونزح الإنسان، وجاع الإنسان، وضاع مستقبل أبنائه، فما قيمة الانتصار الذي نتحدث عنه؟
أي دولة نريد أن ننتصر لها إذا كان مواطنوها يموتون خارجها وداخلها؟
السودان لا يحتاج إلى مئة عام من الحرب
السودان يحتاج إلى قرار شجاع.
قرار يقول إن الحرب يجب أن تتوقف.
وأن الهدنة ليست خيانة.
وأن التفاوض ليس استسلاماً.
وأن السلام ليس تنازلاً عن الوطن.
بل إن السلام هو أصعب معارك الوطنية.
لأن السلام يعني أن نجلس جميعاً أمام مرآة الحقيقة، وأن نعترف بأن السودان لم يعد يحتمل مزيداً من الدم.
ومن يريد الحسم العسكري فليجب الشعب السوداني عن سؤال واحد:
إذا استمرت الحرب عشر سنوات أخرى، فمن سيدفع الثمن؟
وإذا استمرت خمسين عاماً، من سيبقى؟
وإذا وصلت إلى مئة عام، أي سودان سيظل موجوداً؟
السودان ليس ملكاً لمن يحمل السلاح.
وليس ملكاً لمن يريد العودة إلى السلطة.
وليس ملكاً لمن يريد إسقاط خصمه.
السودان ملك لأجيال لم تولد بعد.
ولهذا فإن أخطر خيانة للسودان ليست أن نختلف حول طريقة إنهاء الحرب.
الخيانة الحقيقية هي أن نعرف أن الحرب تدمر الوطن، ثم نصر على استمرارها لأننا نعتقد أن رماد السودان يمكن أن يكون سلماً نصعد عليه إلى السلطة.
لن تكون دماء السودانيين جسراً لعودة الإخوان إلى الحكم.
ولن يكون الجيش بوابةً لعودة أي حزب سياسي.
ولا ينبغي أن يكون المواطن وقوداً لمشروع لا يعرف متى ينتهي.
آن للسودان أن ينتقل من سؤال:
من ينتصر في الحرب؟
إلى السؤال الذي تأخر كثيراً:
كيف نُنقذ السودان من الحرب؟
فالسودان لا يحتاج إلى مئة عام كي ينتصر أحد.
السودان يحتاج إلى اليوم الذي ينتصر فيه المواطن على الحرب




