
نجوى بابو
من أخطر التحولات التي أفرزتها الحرب السودانية أنها لم تعد تقتصر على ساحات القتال بل امتدت إلى البادية ودوامر وفرقان الرحل والقرى والأسواق والأحياء السكنية حيث أصبح المدنيون يدفعون الثمن الأكبر. والأكثر خطورة من السلاح نفسه هو الخطاب الذي يسبق إطلاقه ذلك الخطاب الذي يصنف مجتمعات بأكملها على أنها حواضن لهذا الطرف أو ذاك فيسلبها إنسانيتها ويمهد نفسيًا وأخلاقيًا لتبرير استهدافها. فعندما يتحول الوصف السياسي إلى مبرر للعقاب الجماعي تصبح حياة المدنيين رهينة للانتماء الجغرافي أو القبلي لا لكونهم أبرياء لا يشاركون في القتال.
وخلال الأيام الماضية ومن ضمن سلسلة الهجمات الممنهجة منذ ١٥/ابريل ٢٠٢٣ هجمات طالت مناطق أم قرفة شمال كردفان والبادية الجنوبية النيل الأزرق وغرة زاوية شمال دارفور وأدت إلى سقوط مئات الضحايا وجرحي أعداد كبيرة من المدنيين في كردفان ودارفور والنيل الأزرق. هذه الوقائع تمثل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني الذي يحظر استهداف المدنيين مهما كانت مبررات الحرب أو دوافعها. فالقوانين الدولية لم تُوضع لحماية المنتصر بل لحماية الإنسان عندما تنهار السياسة ويعلو صوت السلاح.
إن أخطر ما في مصطلح الحواضن أنه يحول الإنسان من مواطن يتمتع بحقوقه إلى هدف محتمل. فبمجرد إلصاق هذه الصفة بمجتمع ما يصبح استهدافه في نظر بعض المتطرفين أمرًا يمكن تبريره. وهذه ليست مجرد مفردة سياسية بل خطاب يحمل في طياته خطر التحريض على الكراهية والعنف ويهدد بتوسيع دائرة الحرب لتشمل الأبرياء الذين لا علاقة لهم بالقرارات العسكرية أو السياسية.
ان المسؤولية عن هذه الهجمات وبشأن الحصول على دعم عسكري من جهات خارجية. امر يستجوب تحقيقًا دوليًا مستقلًا وشفافًا لأن كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عنها يمثلان خطوة أساسية نحو حماية المدنيين ومنع تكرار الانتهاكات.
تؤكد قوات تأسيس التحريرية لمكافحة الارهاب أنها ترى من واجبها الدفاع عن المدنيين في المناطق الواقعة تحت سيطرتها وأن استمرار استهداف السكان يفرض عليها مراجعة خياراتها. غير أن المسؤولية القانونية والأخلاقية تبقى ملقاة على جميع أطراف النزاع دون استثناء لاحترام قواعد الحرب والامتناع عن تعريض المدنيين للخطر.
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من خطابات التخوين والتصنيف بل إلى خطاب يعيد الاعتبار للمواطنة المتساوية ويؤكد أن حياة الإنسان لا تُقاس بانتمائه القبلي أو الجهوي. فالأوطان لا تُبنى بإقصاء مكوناتها ولا تستقر عندما يصبح المدنيون وقودًا للصراعات السياسية والعسكرية.
إن حماية المدنيين ليست شعارًا يُرفع في البيانات، بل التزام قانوني وأخلاقي يجب أن يظل فوق كل الحسابات. فحين يصبح المدنيون أهدافًا للحرب لا ينتصر أحد يخسر الجميع ويخسر السودان أكثر من الجميع، لأن السلام لا يولد من بين الأنقاض وإنما من العدالة وسيادة القانون والاعتراف بأن كرامة الإنسان وحقه في الحياة هما الأساس الذي لا يجوز التفريط فيه مهما اشتدت الحروب وتعاظمت الخلافات.




