تقارير وتحقيقات

هل نفض قائد كتائب «البراء» يده من منظومة القتال.. أم أنها انحناءة أمام عاصفة التصنيف؟

تحليل سياسي – عبدالرحمن حنين
في تحول لافت في الخطاب، تحدث قائد كتائب «البراء بن مالك» المصباح أبو زيد عن مراجعة قناعات ومواقف سابقة، قائلاً إن بعض الأفكار التي كان يتبناها لم تعد تعبّر عن رؤيته الحالية، وإن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية مختلفة ومنهجاً جديداً وعقلاً أكثر انفتاحاً.

ويفتح هذا التصريح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن طبيعة التحول الذي يتحدث عنه أبو زيد، وما إذا كان يمثل مراجعة فكرية وسياسية حقيقية لمساره السابق، أم أنه مجرد إعادة تموضع فرضتها التحولات العسكرية والسياسية والضغوط التي أحاطت بكتائب «البراء بن مالك».
مراجعة بلا تفاصيل :
أبو زيد قال إن النضج يقتضي امتلاك الشجاعة للاعتراف بأن بعض القناعات القديمة لم تعد تعبّر عن رؤية الإنسان في الوقت الراهن، مؤكداً أن مراجعة الماضي لا تعني التنكر له، وإنما التعلم من الأخطاء وتجاوزها.

لكن اللافت في حديثه أنه لم يحدد بصورة واضحة طبيعة القناعات التي تخلى عنها، أو المواقف التي بات يعتبرها بحاجة إلى مراجعة، الأمر الذي يجعل تصريحاته مفتوحة على أكثر من قراءة.

فهل تتعلق المراجعة بموقفه من الحرب؟ أم بالدور الذي لعبته الكتائب في دعم الجيش؟ أم أنها مراجعة أوسع للخطاب الأيديولوجي الذي ارتبط بتجربة الكتائب خلال السنوات الماضية؟
من الميدان إلى المراجعة :
يكتسب حديث أبو زيد أهمية أكبر بالنظر إلى مساره خلال الحرب، إذ ارتبط اسم كتائب «البراء بن مالك» بالقتال إلى جانب الجيش، وسط خطاب تعبوي وأيديولوجي حاد، بينما صنفت الولايات المتحدة الكتائب كمنظمة إرهابية.

كما يأتي التصريح بعد إعلان أبو زيد اعتزال العمل العسكري، وهو تطور يضيف بعداً جديداً لحديثه عن مراجعة الأفكار والقناعات.

وبين اعتزال العمل العسكري والحديث عن مراجعة الماضي، تبدو ملامح مرحلة جديدة في مسار الرجل، إلا أن الانتقال من التصريحات إلى المواقف العملية سيظل هو الاختبار الحقيقي لأي مراجعة معلنة.
عاصفة التصنيف والضغوط :
لا يمكن فصل هذا التحول عن البيئة السياسية والعسكرية التي تحيط بكتائب «البراء بن مالك»، خصوصاً بعد إدراجها على قوائم الإرهاب وما ترتب على ذلك من ضغوط سياسية وقانونية متزايدة.

ومن هنا يبرز السؤال الأكثر إثارة للجدل: هل تمثل مراجعة أبو زيد قناعة جديدة تشكلت بفعل تجربة الحرب، أم أنها انحناءة أمام عاصفة التصنيف والضغوط التي باتت تحاصر الكتائب؟

الإجابة لا يمكن حسمها من خلال التصريحات وحدها، خصوصاً أن أبو زيد لم يكشف حتى الآن عن طبيعة الأفكار التي تخلى عنها أو الخطوات التي يمكن أن تترتب على هذه المراجعة.
الاختبار في الموقف لا في الخطاب :
التحولات الحقيقية لا تقاس فقط بإعادة صياغة المواقف، وإنما بما يترتب عليها من سلوك وقرارات ،
ولذلك فإن مستقبل خطاب المصباح أبو زيد سيكون مرتبطاً بما إذا كانت «المراجعة» ستتحول إلى موقف واضح من الحرب، والعمل العسكري، والخطاب الأيديولوجي، ومستقبل العلاقة مع المؤسسات العسكرية والسياسية.

فإذا قادت المراجعة إلى قطيعة واضحة مع العنف وخطاب التحريض، فقد تمثل تحولاً سياسياً وفكرياً مهماً.
أما إذا بقيت في حدود العبارات العامة دون تغيير ملموس في المواقف، فقد ينظر إليها البعض باعتبارها محاولة لإعادة التموضع في مرحلة سياسية جديدة.

وبين الاحتمالين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نفض قائد «البراء» يده فعلاً من منظومة القتل والدم ، أم أن ما نشهده مجرد خطوة تكتيكية لإعادة ترتيب الأوراق تحت ضغط عاصفة التصنيف؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!