رأي

الأزمة الغذائية في السودان: تداعيات الحرب ، شح الأمطار وتراجع الإنتاج. 

الأزمة الغذائية في السودان: تداعيات الحرب ، شح الأمطار وتراجع الإنتاج.

بقلم: د. دقاش حسب الله دقاش

منذ اندلاع الحرب في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023م، دخلت البلاد مرحلة بالغة الخطورة، لم تعد آثارها تنحصر في ساحات القتال أو الصراع السياسي والعسكري بين أطراف النزاع فحسب، بل امتدت إلى بنية الدولة والمجتمع والاقتصاد، وأصابت بصورة مباشرة حياة ملايين السودانيين وسبل عيشهم وأمنهم الغذائي والصحي والاجتماعي.

غير أن فهم الأزمة الغذائية الراهنة لا يمكن أن يبدأ من الحرب وحدها، فقد جاءت الحرب فوق تراكمات طويلة من الاختلالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وضعف الإنتاج، وارتفاع معدلات التضخم والفقر، وتراجع القدرة الشرائية، وضعف البنية التحتية والخدمات، وتعدد بؤر النزاع والنزوح. ثم جاءت الحرب لتدفع هذه الأزمات المتراكمة إلى مستويات أكثر خطورة، فأصابت الأسواق وطرق النقل وسلاسل الإمداد، وعطلت قطاعات واسعة من الإنتاج، وأجبرت ملايين المواطنين على النزوح، من بينهم أعداد كبيرة من المزارعين والرعاة والمنتجين.

 

والأخطر في ذلك أن الحرب أصابت الحلقة الأساسية في الأمن الغذائي السوداني وهي الإنتاج نفسه. فعندما يترك المزارع أرضه بسبب انعدام الأمن، أو يعجز عن الوصول إلى حقله، أو لا يجد التقاوى والوقود والتمويل والمدخلات الزراعية، فإن آثار الأزمة لا تتوقف عند الموسم الزراعي الحالي، وإنما تمتد إلى المواسم التالية، وتنعكس على الأسواق والأسعار والدخل وفرص العمل.

وفي هذا السياق جاءت مناشدة رئيس وزراء حكومة الوحدة والسلام الأستاذ محمد الحسن التعايشي للأمم المتحدة والمجتمع الدولي، محذرا من اتساع دائرة انعدام الأمن الغذائي ومخاطر المجاعة التي تهدد ملايين السودانيين. ومهما اختلفت المواقف السياسية تجاه أطراف المشهد السوداني، فإن مثل هذه المناشدات ينبغي أن تقرأ أولا باعتبارها مؤشرات على خطورة الوضع الإنساني والغذائي، لا باعتبارها مجرد مادة للتجاذب السياسي.

وتتوافق المخاوف العامة بشأن الأمن الغذائي مع تحذيرات دولية حديثة، إذ تشير بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو 19.5 مليون شخص في السودان يواجهون مستويات أزمة من الجوع أو أسوأ، مع وجود مناطق معرضة لخطر المجاعة. كما حذرت تقديرات الأمن الغذائي من استمرار مستويات الطوارئ وخطر المجاعة في المناطق الأكثر تضررا خلال الفترة الممتدة إلى يناير 2027م.

 

لكن الأزمة الحالية لا ترتبط بالحرب وحدها، فهناك عامل آخر شديد الأهمية ينبغي ألا يحظى بأقل من حقه في التحليل، وهو الوضع المناخي والموسم الزراعي الحالي. فالسودان يعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة المطرية، خصوصا في مساحات واسعة من دارفور وكردفان ومناطق أخرى من البلاد. ولذا فإن انتظام الأمطار ليس مجرد مسألة مناخية، وإنما يمثل عنصرا أساسيا في الأمن الغذائي والدخل الريفي واستقرار المجتمعات.

ومع دخول الموسم الزراعي الحالي، تثير مؤشرات تأخر الأمطار أو ضعفها في أجزاء من مناطق الإنتاج مخاوف حقيقية، خصوصا عندما يأتي ذلك في بيئة زراعية منهكة بالحرب والنزوح وارتفاع تكلفة المدخلات الزراعية وضعف التمويل وصعوبة الحركة. وتزداد خطورة الأمر عندما تتزامن هذه الظروف مع توقعات دولية باستمرار مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي في السودان.

إن المزارع السوداني يواجه اليوم معادلة شديدة الصعوبة: الحرب تهدد أمنه، والاقتصاد يرفع تكلفة إنتاجه، وشح الأمطار أو عدم انتظامها يهدد محصوله. فإذا اجتمعت هذه العوامل في موسم واحد، فذلك يعني أن الخطر لا يقتصر على انخفاض الإنتاج، وإنما يمكن أن يمتد إلى ارتفاع أسعار الغذاء، وتراجع دخل الأسر، واتساع دائرة الفقر، وزيادة الاعتماد على المساعدات.

ومن الضروري هنا التعامل مع العوامل المناخية بصورة علمية. فظاهرتي النينيو والنينيا هما تغيران طبيعيان في درجة حرارة مياه المحيط الهادئ، وتؤثران على أنماط الأمطار والمناخ في مناطق كثيرة من العالم بما فيها السودان. فالنينيو غالبا ما يصاحبه جفاف في بعض مناطق السودان، بينما تصاحب النينيا أمطارا أعلى من المعدل. لكن لا يصح تحميل أي منهما وحدها مسؤولية كل تغير في الأمطار داخل السودان، لأن المناخ السوداني يتأثر أيضا بعوامل إقليمية ومحلية. لكن التقلبات المناخية وتغير أنماط الهطول وارتفاع درجات الحرارة يمكن أن تضاعف هشاشة الزراعة المطرية، خصوصا عندما تكون قدرة المزارعين والمؤسسات على التكيف محدودة.

ولهذا فإن القضية لا ينبغي أن تختزل في سؤال هل يوجد غذاء أم لا، وإنما في أسئلة أكثر عمقا: هل يستطيع المزارع إنتاج الغذاء؟ وهل يستطيع الوصول إلى أرضه؟ وهل تتوافر له المدخلات الزراعية؟ وهل يستطيع نقل محصوله إلى السوق؟ وهل يستطيع المواطن شراء الغذاء؟ وهل تستطيع المنظمات الإنسانية الوصول إلى المناطق الأكثر احتياجا؟ تلك هي الأسئلة الحقيقية للأمن الغذائي.

فالأمن الغذائي منظومة تبدأ من الأرض والمياه، وتمر بالمزارع والمدخلات والتمويل والإنتاج والتخزين والنقل والأسواق، وتنتهي بقدرة المواطن على الحصول على غذاء كاف وآمن ومستقر. وعندما تتعطل عدة حلقات من هذه المنظومة في وقت واحد، فإن الأزمة تنتقل من مجرد ارتفاع في الأسعار إلى خطر حقيقي على توافر الغذاء والقدرة على الوصول إليه.

والسودان في حقيقة الأمر لا يعاني من نقص الموارد الطبيعية التي تمكنه من إنتاج الغذاء، فهو يمتلك مساحات زراعية واسعة، ومياها سطحية وجوفية، وثروة حيوانية ضخمة، وموقعا جغرافيا مهما، وخبرات بشرية وتاريخا طويلا في الزراعة والرعي وإنتاج الحبوب والمحاصيل النقدية.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: كيف يمكن لبلد يمتلك هذه الإمكانات أن يواجه خطر الجوع؟ الإجابة لا تكمن في ندرة الموارد، وإنما في ضعف القدرة على تحويل هذه الموارد إلى إنتاج مستدام. فالحرب، وضعف المؤسسات، وتراجع الاستثمار، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف البنية التحتية، وتدهور الخدمات، واضطراب الأسواق، كلها عوامل حالت دون الاستفادة الكاملة من الإمكانات الاقتصادية والزراعية للبلاد.

ومن هنا فإن الأزمة الغذائية في السودان هي في حقيقتها أزمة إنتاج واقتصاد وأمن ومناخ في وقت واحد. وتزداد خطورة هذه الأزمة في دارفور وكردفان، حيث يعتمد ملايين المواطنين بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الزراعة المطرية والرعي. ففي هذه المناطق، لا يمثل المطر مجرد عنصر من عناصر الإنتاج، وإنما يمثل أساسا لموسم كامل من الزراعة والرعي والدخل والتجارة.

وعندما يتراجع المطر أو يتأخر، يصبح المزارع أمام خيار صعب: إما أن يزرع في ظروف غير مواتية ويتحمل خطر خسارة مدخلاته، أو ينتظر تحسن الموسم وقد يفوته جزء مهم من الفترة الزراعية. وإذا أضيف إلى ذلك انعدام الأمن وارتفاع أسعار المدخلات وصعوبة الحصول على التمويل، تصبح قدرة المنتج على الاستمرار أكثر ضعفا.

 

وهنا تظهر أهمية الإنذار المبكر. فلا ينبغي انتظار نهاية الموسم الزراعي لمعرفة حجم الأزمة. بل يجب ومنذ وقت مبكر متابعة معدلات الأمطار، والمساحات المزروعة، وحالة المحاصيل، وأسعار الحبوب، وحركة الأسواق، ومستويات المخزون، وحالة المراعي ومصادر المياه، وأعداد النازحين، وقدرة المجتمعات على الوصول إلى الغذاء. إن الإنذار المبكر لا يعني التنبؤ بالمجاعة فقط، وإنما يعني القدرة على التدخل قبل تحول مؤشرات الخطر إلى كارثة.

وفي المقابل، يمثل النزوح واحدا من أخطر العوامل التي تهدد الأمن الغذائي. فالأسرة التي تغادر أرضها تفقد في كثير من الأحيان مصدر دخلها ومخزونها الغذائي وأدوات إنتاجها وشبكة علاقاتها الاجتماعية. وتتحول تدريجيا من أسرة منتجة إلى أسرة تعتمد على السوق أو المساعدات. وهكذا تنشأ دائرة شديدة التعقيد: الحرب تؤدي إلى النزوح، والنزوح يؤدي إلى تراجع الإنتاج، وتراجع الإنتاج يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وارتفاع الأسعار يؤدي إلى انخفاض القدرة الشرائية، وانخفاض القدرة الشرائية يقود إلى زيادة الاعتماد على المساعدات. إنها دائرة لا يمكن كسرها بالإغاثة وحدها.

 

ولذلك فإن المساعدات الإنسانية تظل ضرورة عاجلة لإنقاذ الأرواح، لكنها لا يمكن أن تكون بديلا دائما عن الإنتاج الوطني. فالإغاثة تعالج جانبا من أزمة الحاضر، بينما يعالج الإنتاج جذور أزمة المستقبل.

وفي هذا السياق، لعبت التكايا والمطابخ المجتمعية والمبادرات الشعبية دورا بالغ الأهمية في تخفيف معاناة السودانيين، وأصبحت في مناطق عديدة شبكة أمان اجتماعي حقيقية. لكن الاعتماد المتزايد عليها يكشف في الوقت نفسه حجم الفراغ الذي خلفته الحرب في منظومة الخدمات والدعم الاجتماعي. فالمجتمع السوداني يستطيع أن يتكافل ويتحمل، لكنه لا يستطيع أن يحل محل منظومة الدولة والاقتصاد بصورة دائمة.

ومن هنا يجب أن تسير الاستجابة في مسارين متوازيين: الإغاثة العاجلة من جهة، وإنقاذ الإنتاج وإعادة بناء الاقتصاد من جهة أخرى. ففي الوقت الذي تصل فيه المساعدات الغذائية إلى الأسر المحتاجة، يجب أن تصل التقاوى والوقود والمدخلات الزراعية إلى المزارعين. وفي الوقت الذي تقدم فيه الوجبات للنازحين، يجب العمل على إعادة تأهيل الأسواق والطرق ومصادر المياه ومرافق التخزين والإنتاج. كما أن حماية الموسم الزراعي الحالي ينبغي أن تكون من أولويات الاستجابة الوطنية والدولية، لأن إنقاذ المحصول يعني في الوقت نفسه حماية ملايين الأسر من موجة جديدة من الفقر والجوع.

 

وهنا تبرز مسؤولية جميع الأطراف، كل بحسب موقعه وقدرته، في تسهيل وصول الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية إلى المدنيين المحتاجين، وحماية المزارعين والأسواق وطرق التجارة، وعدم استخدام الغذاء والمساعدات الإنسانية كوسيلة للضغط السياسي أو العسكري. فالإنسان الجائع لا ينبغي أن يكون طرفا في الحرب.

كما أن المجتمع الدولي مطالب بألا ينظر إلى السودان باعتباره مجرد ملف إغاثي. السودان يحتاج إلى شراكة دولية لإعادة بناء منظومة الأمن الغذائي، تشمل تأهيل المشاريع الزراعية، وتطوير الري، وتوفير التمويل، وإعادة بناء البنية التحتية، وإنشاء المخازن والصوامع، وتطوير الصناعات الغذائية، ودعم الإنتاج الحيواني، وبناء منظومة حديثة للإنذار المبكر. إن السودان لا يحتاج فقط إلى من يرسل إليه الغذاء، وإنما يحتاج إلى شراكة تساعده على إنتاج غذائه واستعادة قدرته على تصدير الفائض.

 

وهنا تحديدا ينبغي فهم مناشدة التعايشي للمجتمع الدولي في سياقها الأوسع، فهي لا ينبغي أن تكون نهاية الحديث، وإنما مناسبة لفتح نقاش أعمق حول مستقبل الأمن الغذائي السوداني، وكيف يمكن الانتقال من الاستجابة للطوارئ إلى بناء قدرة وطنية مستدامة على الإنتاج.

 

كما أن اختلاف التقديرات بشأن أعداد الأشخاص الذين يواجهون مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي لا ينبغي أن يحجب الحقيقة الأساسية: أن السودان يواجه أزمة غذائية شديدة الخطورة، وقد حذرت الجهات الدولية المختصة من استمرار المخاطر في عدد من المناطق، خصوصا في دارفور وكردفان.

 

ومن الخطأ كذلك النظر إلى الأزمة باعتبارها أزمة موسم واحد. ففي حال ضعف الإنتاج في موسم زراعي واحد، فإن آثار ذلك قد تكون قابلة الاحتواء من خلال المخزون والاستيراد والمساعدات. لكن إذا تكرر ضعف الإنتاج في ظل استمرار الحرب والنزوح وتدهور الاقتصاد، فإن الأزمة تتحول إلى أزمة هيكلية طويلة الأمد.

ولهذا فإن المطلوب ليس فقط إنقاذ موسم زراعي، وإنما إعادة بناء القطاع الزراعي السوداني نفسه. يجب إعادة الاعتبار للمزارع باعتباره محور الأمن الغذائي، وتوفير التمويل الزراعي، وتطوير أنظمة الري، وتحسين البذور، وتوسيع خدمات الإرشاد الزراعي، وتطوير التخزين، وتقليل فاقد ما بعد الحصاد، وربط مناطق الإنتاج بالأسواق، وتشجيع التصنيع الزراعي. كما يجب النظر إلى الثروة الحيوانية باعتبارها جزءا أساسيا من الأمن الغذائي والاقتصاد السوداني، والعمل على حماية المراعي ومصادر المياه والأسواق ومسارات حركة القطعان. إن بناء الأمن الغذائي لا يعني فقط إنتاج الحبوب، وإنما يعني بناء منظومة اقتصادية متكاملة تشمل الزراعة والرعي والمياه والنقل والتخزين والصناعة والتجارة والتمويل.

 

وفي نهاية الأمر ، فإن الأزمة الغذائية في السودان ليست قدرا محتوما، أو نتيجة حتمية لفقر الموارد، وإنما هي نتيجة لمسار يمكن تغييره. إن وقف الحرب هو المدخل الأول، لكن السلام وحده لا يكفي. فلا بد من استعادة الإنتاج، وإعادة بناء المؤسسات، وإصلاح الاقتصاد، وحماية المزارع، وتأمين الأسواق، والاستثمار في المياه والبنية التحتية، وربط المساعدات الإنسانية بمشروع طويل الأجل لإعادة بناء القدرة الإنتاجية.

إن السودان يقف أمام لحظة شديدة الحساسية، فالحرب تستنزف الإنسان والاقتصاد، والنزوح يستنزف المجتمعات، والتضخم يستنزف القدرة الشرائية، وارتفاع تكلفة الإنتاج يضغط على المزارع، وضعف أو تأخر الأمطار في مناطق الإنتاج يضيف عاملا مناخيا جديدا إلى أزمة قائمة أصلا. وإذا اجتمعت هذه العوامل دون تدخل عاجل ومدروس، فإن الخطر قد يتجاوز أزمة غذائية موسمية إلى أزمة اجتماعية واقتصادية وإنسانية ممتدة.

لذلك فإن المطلوب اليوم ليس فقط قرع ناقوس الخطر، وإنما التحرك قبل أن يتحول الإنذار إلى كارثة. فالإغاثة تنقذ الإنسان من أزمة اليوم، لكن الإنتاج يحميه من أزمة الغد. والسلام يوقف النزيف، لكن بناء الاقتصاد يعيد للمجتمع قدرته على الحياة. والمساعدات قد تطعم الأسرة في لحظة الحاجة، لكن إعادة المزارع إلى أرضه هي التي تعيد بناء دورة الإنتاج.

إن السودان لا يحتاج فقط إلى من ينقذه من الجوع، وإنما يحتاج إلى مشروع وطني ودولي يعيد إليه القدرة على إنتاج غذائه بنفسه. إن معركة السودان ضد الجوع لن تحسم بكثرة المساعدات وحدها، وإنما بإعادة بناء القدرة الوطنية على إنتاج الغذاء. فالإغاثة تنقذ الإنسان من أزمة اليوم، أما السلام والإنتاج والاستقرار فيحمونه من أزمة الغد.

 

الموافق 27أغسطس 2026م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!