” التنوير” تحاور الأستاذ أبوبكر رفعت حامد، المدير الإداري بإدارة التدريب بوزارة التربية والتعليم الوطنية.

بمناسبة اليوم العالمي لمحو الأمية
” التنوير” تحاور الأستاذ أبوبكر رفعت حامد، المدير الإداري بإدارة التدريب بوزارة التربية والتعليم الوطنية.
نسبةالأمية 40 % و19 مليون طفل خارج مقاعد الدراسة في السودان
التمويل الخارجي شريان الحياة الوحيد لمحو الأمية
حوار : حنان الطيب
في ظل الظروف الاستثنائية والنزاع القائم في السودان، يظل ملف محو الأمية وتعليم الكبار أحد أكثر الملفات إلحاحاً وحساسية. فالأمية لم تعد مجرد جهل بالقراءة والكتابة، بل أضحت إقصاءً مجتمعياً وتجريداً للأفراد من أبسط حقوقهم وقدرتهم على الصمود. بمناسبة اليوم العالمي لمحو الأمية (8 سبتمبر)، (تسلط صحيفة التنوير) الضوء على أبعاد هذه الأزمة من خلال هذا الحوار مع الأستاذ أبوبكر رفعت حامد، المدير الإداري بإدارة التدريب بوزارة التربية والتعليم الوطنية.
في البدء كيف تقيمون واقع الأمية في السودان اليوم في ظل الظروف الراهنة؟
الواقع معقد للغاية فالتقديرات الحالية تشير إلى أن نسبة الأمية تجاوزت 40%، وهو رقم صادم. والأخطر من ذلك هو وجود نحو 19 مليون طفل يواجهون انقطاعاً كاملاً أو اضطراباً حاداً عن التعليم. هذه الأرقام لا تعبر عن أزمة تعليمية مؤقتة فحسب، بل تُنذر بكارثة حقيقية تسهم في خلق “جيل مفقود” وتضاعف نسب الأمية مستقبلاً.
*ما هي الأسباب التي تعوق عمل الوزارة وتمنعها من معالجة هذه الأزمة؟
التحدي المالي هو العقبة الأساسية فالجزء المخصص للتعليم الأساسي ومحو الأمية في الموازنة العامة لا يتجاوز 1% إلى 3% فقط. والأدهى من ذلك أن الجزء الأكبر من هذه الحصة المحدودة يذهب للنفقات التشغيلية والرواتب التي شهدت هي الأخرى تعثراً كبيراً. أما الميزانية المخصصة فعلياً لبرامج محو الأمية وتعليم الكبار فلا تتعدى نسبة ضئيلة جداً، مما أدى إلى اعتمادنا الشبه كامل على المساعدات والتمويل الخارجي.
*كيف تتعاملون مع هذا الشح المالي والتدهور في البنية التحتية لاستمرار العملية التعليمية؟ نعتمد استراتيجية التكيف من خلال التوجه نحو الحلول منخفضة التكلفة، وفي مقدمتها برامج “التعليم المجتمعي والبديل”. كما نعمل على تعزيز الشراكات الدولية والإقليمية، وتحديداً مع منظمة “اليونيسف” و”الشراكة العالمية من أجل التعليم” (GPE)، لتوفير التمويل الطارئ والتجهيزات الأساسية التي تضمن حدًا أدنى من استمرارية التعلم في هذه الظروف الاستثنائية.
*الملامح الأساسية للاستراتيجية الوطنية التي تعملون عليها حالياً للحد من هذه الفجوة؟
تهدف استراتيجيتنا الحالية إلى تقليل الفجوة التعليمية عبر البدائل غير النظامية. نركز بشكل أساسي على المهارات الجوهرية كالقرائية والحساب، إلى جانب العمل على توفير مساحات آمنة ومخصصة للتعلم في مناطق النزوح للوصول إلى الفئات الأكثر تضرراً.
* ماهي أبرز العقبات التي تواجه تنفيذ هذه الاستراتيجية؟
نتكأ على واقع ميداني شديد القسوة؛ حيث تصطدم الخطط بالاستمرار في الأعمال العسكرية، وانعدام الأمن، والتدمير المباشر للبنية التحتية للمدارس والمراكز. يضاف إلى ذلك حركة النزوح واللجوء المستمرة، وفقدان الكثير من المواطنين لمستنداتهم الثبوتية وسجلاتهم التعليمية، مما يجعل حصرهم ومتابعتهم أمراً بالغ الصعوبة.
* ماهي التحديات التي تواجه تعليم الفتيات في السودان اليوم؟
تواجه الفتيات تحديات مركبة فإلى جانب التهديدات الأمنية، تلعب العادات والتقاليد الاجتماعية دوراً سلبياً كبيراً. وقد أدت الظروف الاقتصادية والأمنية القاسية إلى ارتفاع معدلات الزواج المبكر، حيث تُجبر الكثير من الفتيات على ترك مقاعد الدراسة وتحمّل مسؤوليات أسرية مبكرة. كما يُلقى على عاتقهن عبء الأعمال المنزلية والرعاية، مما يقلص فرصهن في الاستمرار بالتعليم أو اكتساب المهارات الأساسية.
* كيف تتدخل الوزارة لمواجهة ظاهرة التسرب من التعليم والزواج المبكر؟
نعمل عبر محورين أساسيين التوعية المجتمعية نطلق حملات استهدافية للإدارات الأهلية وقادة المجتمعات المحلية لتغيير المفاهيم السلبية وتكريس حق الفتاة في التعليم. والتمكين والدعم العملي ننفذ مبادرات لتوفير مساحات تعلم آمنة، ونقدم برامج تدريب مهني وحرفي للفتيات والنساء لتمكينهن اقتصادياً، مما يخفف الضغوط المعيشية التي تدفع الأسر نحو تزويج الفتيات أو إخراجهن من المدارس.
* كيف تتم إدارة العملية التعليمية في ظل ظروف الطوارئ والنزوح الحالية؟
اعتمدنا استراتيجية مرنة للاستجابة للأزمات تقوم على توفير بدائل غير نظامية، مثل الفصول المؤقتة، والتعليم عبر الراديو، وتوزيع المواد المطبوعة ذاتية التعلم، لضمان استمرار الدراسة قدر الإمكان في مناطق النزوح.
* ماذا عن الكادر التعليمي، كيف يتم تأهيله للتعامل مع هذا الواقع الاستثنائي؟
نركز على التدريب المكثف للمعلمين والمتطوعين لإدارة الفصول متعددة المستويات، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للطلاب النازحين. كما نستعين بالمعلمين النازحين أنفسهم وبخريجي الجامعات المتطوعين لسد العجز في الكوادر التعليمية.
* بالانتقال إلى المعلمين.. يعاني الكادر التعليمي من أزمة رواتب حادة، كيف تعملون على تحسين أوضاعهم وما هي البدائل المطروحة لدعمهم؟
ندرك تماماً أن الرواتب الحالية لا تغطي الحد الأدنى من متطلبات المعيشة في ظل الأزمة الاقتصادية القاسية. وللحفاظ على استمرارية المعلمين وصمودهم داخل المنظومة التعليمية، نعمل على تقديم حزمة من تدابير الدعم العاجلة، أبرزها توفير السلات الغذائية الدورية، صرف منح الطوارئ، وتخصيص بدلات خاصة بالتدريس، لتخفيف الأعباء المعيشية عنهم وضمان استمرار الرسالة التعليمية.
* يُشكل النزوح الجماعي ضغطاً هائلاً على الكادر التعليمي.. ما حجم التحدي في أعداد المعلمين، وكيف تتعاملون مع هذا النزيف الحاد؟
يواجه قطاع محو الأمية وتعليم الكبار أزمة حقيقية في الكوادر؛ فالعدد الحالي من المعلمين غير كافٍ إطلاقاً لمواكبة موجات النزوح الجماعي وتعطل العمل في معظم الولايات، ناهيك عن فقدان الاتصال بعدد كبير من معلمينا. ولتدارك هذا النقص، اعتمدنا خطة استجابة عاجلة تقوم على التدريب المكثف على إدارة الأزمات تنظيم دورات متخصصة للمعلمين والمتطوعين حول التعليم في أوقات الطوارئ، وإدارة الفصول التجميعية متعددة المستويات، وتوفير الدعم النفسي الأولي للطلاب والنازحين.الاستعانة بالمعلمين النازحين إعادة إدماج المعلمين الذين نزحوا ليعملوا داخل مجتمعاتهم ومخيماتهم الجديدة.التطوع والجهد المجتمعي: استقطاب خريجي الجامعات والشباب المحليين للتطوع بالتدريس في مراكز الإيواء والمناطق الأكثر تضرراً.
*ما هي البرامج التعليمية البديلة وكيف يتم دمج الدعم النفسي والاجتماعي فيها؟”نطبق التعليم المسرّع للأطفال المتأخرين، تجمع بين التعليم والدعم النفسي والاجتماعي كما ندمج مهارات حياتية ومهنية لتعزيز ثقافة السلام والمواطنة.تطوير مناهج خاصة بالكبار والفتيات خارج المدرسة، مثل برنامج التعليم المسرّع ومساحات التعلم الصديقة للأطفال، مع دمج مهارات حياتية ومهنية لتعزيز فرص العمل للأسر النازحة.التمويل والشراكات بالاعتماد على الحلول منخفضة التكلفة مثل التعليم المجتمعي، وبناء شراكات مع منظمة اليونيسف
* تُعد ولايات دارفور، كردفان، والنيل الأزرق الأكثر تضرراً جراء الحرب والنزوح، ما هي خطط الوزارة العاجلة لمعالجة الأوضاع التعليمية هناك؟
هذه الولايات شهدت تعطيلاً واسعاً للعملية التعليمية وحرماناً لآلاف الأطفال من التعليم النظامي. وللتعامل مع هذه الكارثة، وضعت الوزارة خططاً استثنائية تشمل مراكز التعلم المباشر والمؤقت إقامة مراكز داخل المخيمات ومناطق تجمع النازحين لضمان وصول التعليم للأطفال بشكل مباشر.
خيارات التعلم المجتمعي تفعيل البث عبر الراديو وتوزيع المواد المطبوعة ذاتية التعلم، لخدمة المناطق التي تعاني من انقطاع الإنترنت وتدهور البنية التحتية.و برامج خاصة بدعم الفتيات تخصيص مساحات تعلم آمنة للفتيات في المناطق الطرفية، وتوزيع الحقائب المدرسية والمستلزمات الشخصية، مع التوسع في برامج التدريب المهني والحرفي لتمكين النساء والفتيات اقتصادياً.بجانب
التعليم البديل والمساحات المجتمعية استغلال المساجد، الدور المجتمعية، ومراكز الإيواء كفصول دراسية مؤقتة، للحد من التسرب الدراسي وإعادة الأطفال فوراً إلى مقاعد الدراسة.
* ماهي رؤيتكم المستقبلية لإعادة بناء المنظومة وتوسيع استخدام التكنولوجيا، وكيف يتم التنسيق مع الشركاء؟
تشمل رؤيتنا المستقبلية إعادة بناء وتأهيل المدارس عبر صناديق إعادة الإعمار، والتوسع في التكنولوجيا والتعلم الرقمي والبث الإذاعي للمناطق المنقطعة. ويتم إدارة وتنسيق جهود المجتمع المدني والمنظمات الدولية من خلال مجموعة التعليم في السودان لتوزيع الأدوار بكفاءة وضمان وصول الدعم للمناطق والأسر الأكثر احتياجاً.




