عزلة خانقة وتجريد صريح من الشرعية: واشنطن تنهي أوهام البرهان وتسقط سردية حرب الدولة ضد التمرد وتضعه في مواجهة حقيقة الميدان

تقرير – التنوير
بلغت الضغوط الدبلوماسية الدولية على سلطة بورتسودان مرحلة كسر العظم، متحولة من مجرد مناشدات ورسائل حث لوقف القتال وإقرار هدنة إنسانية، ظل يتملص منها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، إلى فرض عزلة خانقة وتجريد كامل للشرعية القانونية والدستورية عن سلطة الأمر الواقع. وتجلى هذا التحول الأمريكي الصارم في حرمان البرهان من الحصول على تأشيرة الدخول إلى الأراضي الأمريكية لمخاطبة الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، بالتزامن مع بيان حاسم صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية أعلن صراحة أن القوات المسلحة وقادتها لا يمثلون حكماً شرعياً أو دستورياً في السودان، بل مجرد طرف يمسك بالسلطة بقوة السلاح ويفتقر لأي تأهيل سياسي لإدارة السودان.
ويرى الباحث والمحلل السياسي عزام أواب البوشي أن البيان الأمريكي الأخير وضع البرهان أمام توصيف سياسي ودبلوماسي بالغ الوضوح والدقة؛ إذ لم تعد واشنطن تنظر إلى قيادة الجيش باعتبارها سلطة تمثل الدولة أو تستمد مشروعيتها من مؤسسات دستورية، بل كطرف عسكري مباشر يمارس القمع ويمسك بالسلطة عبر فوهة البندقية.
ويؤكد البوشي أن البرهان لم يصل إلى هذا المأزق في يوم واحد، بل إن عناده المستمر في إدارة الحرب، وتمسكه الأعمى بالحل العسكري، ورفضه المتكرر لكافة المسارات السياسية ونداءات وقف إطلاق النار، كلها عوامل أسهمت بمرور الوقت في تضييق هامش الحركة أمامه داخلياً وخارجياً، ليدخل اليوم في مواجهة مباشرة مع إدارة أمريكية باتت تمارس ضغوطاً غير مسبوقة تجعل قدرته على مواصلة القتال محدودة للغاية، حتى وإن كانت لديه الرغبة في استدامتها.
إن التحرك الأمريكي الأخير يمثل إعلاناً رسمياً بسقوط السردية التي ظل يروج لها قائد الجيش منذ خروجه من مقر القيادة العامة، والتي حاول من خلالها استغلال الفراغ الدستوري عبر تعيينات متعجلة وهياكل صورية لإضفاء طابع “الدولة” على قراراته. كان هدف البرهان الرئيسي من تلك المناورات هو تبرير الحرب دولياً وإقليمياً، وفرض أساس تفاوضي يُظهره كحكومة شرعية تحارب “تمرداً” ولا تتفاوض إلا من موقع الأعلى كعباً. غير أن الفاعل الدولي تجاوز التسطيح الذي صاحب التعاطي مع الحرب في بدايتها، وأعاد تعريف المشهد بنصاعة: لا طرف يملك شرعية دستورية، ومؤسسات الجيش الحالية ليست هي مؤسسات السودان الشرعية المستقلة، بل أداة متنازعة في حرب أهلية مدمرة.
تضع هذه الحقائق الصلبة البرهان أمام الواقع الذي حاول الالتفاف عليه لأربعة أعوام بمساعدة حلفائه من فلول النظام البائد، إذ تشير وثائق ومذكرات التفاهم التي وقّع عليها ممثلو الجيش سابقاً في منابر جدة والمنامة وجنيف،قبل الانقلاب عليها والانسحاب منها بتوجيهات مباشرة من تنظيم الإخوان المسلمين، إلى أن التوصيف القانوني الرسمي للوفود كان دائماً “طرفي الحرب”. وهذا يعني أنه عند انعدام هامش المناورة وتحت وطأة الضغط الدولي، اعترف الجيش عملياً بأنه مجرد طرف في النزاع وليس دولة تحارب تمرداً، وهو فارق جوهري أسقط الغطاء السياسي عن الجماعات الإرهابية والكتائب العقائدية التي تدفع باتجاه استمرار المحرقة.
لقد دخلت الحرب بعد التصعيد الأمريكي ضد سلطة بورتسودان مرحلة أصبحت فيها كلفة الاستمرار باهظة جداً على خيارات البرهان المحاصرة، فالرسالة الأمريكية الشديدة اللهجة، المقترنة بسحب التأشيرة والرفض الإقليمي الصارم لتأسيس سلطة أمر واقع، تؤكد أن أي حوار أو ترتيبات قادمة لإنهاء الصراع ستنطلق حصراً من نقطة انعدام الشرعية لسلطة قائد الجيش الذي يلاحقه المجتمع الدولي بملف استخدام الأسلحة الكيميائية كذلك. ويعزز هذا الموقف المتماسك رؤية القوى المدنية الداعية لإقرار هدنة فورية، وتوسيع حظر السلاح، وحماية المدنيين، وصولاً إلى نقل السلطة بالكامل لحكومة مدنية ديمقراطية تنهي أوهام الهيمنة العسكرية واستغلال تنظيم الإخوان مؤسسات الدولة من خلف ستار الجيش، الذي تحاول السعوية ومصر تسويقه بحجة المحافظة على مؤسسات الدولة وعدم مساواته بأي قوة أخرى.




