بين أروقة الدبلوماسية وأرصفة المعاناة: من يصنع السلام في السودان؟

بين أروقة الدبلوماسية وأرصفة المعاناة: من يصنع السلام في السودان؟
بقلم: نجوي بابو
لم تكن الحروب في تاريخ السودان الحديث مجرد صراع عابر على السلطة أو الموارد، بل كانت دائماً تجلياً لأزمة فلسفية عميقة ترتبط بمفهوم الدولة وغياب العقد الاجتماعي الشامل الذي يستوعب التعددية السودانية. واليوم، بينما تعيش البلاد واحدة من أعقد كوارثها الإنسانية والسياسية في التاريخ المعاصر، يتجدد السؤال الفلسفي والسياسي القديم أين تكمن الشرعية الحقيقية لصناعة السلام؟ هل تولد في ردهات العواصم الدولية وبين أروقة الرباعية الخماسية ،أم تنبع من طين الأرض السودانية وعمق إرادة جماهيرها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تشكّل الفارق الجوهري بين سلام مؤقت تفرضه التوازنات، وسلام مستدام يرتكز على الهوية والعدالة.
من الناحية السياسية والبراغماتية، لا يمكن إنكار الأهمية البالغة للجهود التي تبذلها القوى المدنية السودانية لتوحيد الرؤى الدولية والإقليمية في الولايات المتحدة وغيرها من عواصم القرار. فالجغرافيا السياسية المعاصرة تفرض وجود رافعات دولية قادرة على ممارسة الضغط الدبلوماسي، وتقديم الضمانات الاقتصادية والأمنية التي تفتقر إليها الأطراف المتصارعة. هذا الجهد المدني يمثل عصب الدبلوماسية الوقائية والبحث عن قواسم مشتركة وسط ركام المصالح الدولية المتضاربة، وهو ممر إجباري لتفكيك شيفرات النزاع المعقد وإيقاف نزيف الدماء.
لكن المقاربة الفلسفية للتاريخ ومعادلات التحرر تخبرنا بأن السلام الفوقي المحصن بالاتفاقيات الدبلوماسية المغلقة وحده، هو سلام هش وسريع العطب لأنه يتعامل مع العرض لا مع المرض. إن الرهان الحقيقي والوحيد لاستدامة أي حل سياسي يكمن في الحاضنة الجماهيرية للشعب السوداني . السلام ليس مجرد حبر على ورق يوقعه جنرالات أو سياسيون في فنادق العواصم السلام في جوهره هو فعل إنساني معاش يبدأ من استعادة الطمأنينة في نفوس النازحين واللاجئين، وينتهي بامتلاك الشارع لقرار مسببات استقراره ومحاسبة منتهكي حقوقه.
هنا تلتقي الأبعاد الثلاثة السياسة في تنظيم القوى، والإنسانية في تخفيف المعاناة، والفلسفة في إعادة صياغة الهوية الوطنية. إن أي حراك مدني يسعى لتوحيد الدعم الدولي يجب ألا ينفصل، ولو خطوة واحدة، عن نبض الشارع السوداني ومكوناته الجماهيرية العريضة. فالجماهير ليست مجرد ضحية سلبية تنتظر الإغاثة أو المساعدات العابرة للحدود، بل هي الفاعل الأخلاقي والسياسي الأساسي الذي يمنح أي اتفاق مشروعيته التاريخية. إن توحيد جهود الرباعية والخماسية يصبح بلا معنى إنساني أو قيمة سياسية إذا لم يُترجم إلى حماية حقيقية للمواطن في قريته ومدينته، وإلى مسار ديمقراطي حقيقي يعيد السلطة لأصحابها الأصليين ويمهد لبناء دولة المواطنة بلا تمييز.
في نهاية المطاف، يبقى الدرس الإنساني البليغ من الأزمة السودانية هو أن الشعوب لا تموت من الحروب مهما بلغت قسوتها، بل تموت عندما تفقد إيمانها بالقدرة على التغيير وتقرير المصير. والرهان على وعي الشعب السوداني وإرادته في فرض السلام والعدالة هو الرهان التاريخي الرابح. وما الدبلوماسية الدولية والجهود المدنية إلا أدوات مساعدة ورافدة، فالأوطان لا تُبنى بقرارات الوصاية الخارجية، والشرعية الحقيقية تُكتب دائماً بأيدي الجماهير على أرصفة المعاناة والصمود، لا بأقلام الوساطات في ردهات الفنادق.




