شاهد عيان : لقاءاتي بدقلو … من مصادفة حيّ النخيل بأم درمان إلى لقائه حيًّا بعد أن أعلنوا مقتله
عبدالرحمن حنين

شاهد عيان :
عبدالرحمن حنين
لقاءاتي بدقلو ….
من مصادفة حيّ النخيل بأم درمان إلى لقائه حيًّا بعد أن أعلنوا مقتله
التقيت الفريق أول محمد حمدان دقلو ثلاث مرات فقط، ولم يكن أي من اللقاءات مرتبًا أو مسبوقًا بعلاقة خاصة ،في كل مرة كان اللقاء يأتي من طريق مختلف، لكن ما يجمع بينها أنها وقعت في مراحل متباعدة من تاريخ السودان، وكأن كل لقاء كان يفتح نافذة على مرحلة جديدة.
#كانت المرة الأولى قبل سقوط البشير بشهور قليلة، حين زرت الفريق صديق محمد إسماعيل في منزله بحي النخيل بأم درمان. وصادف أن جاء دقلو في الوقت نفسه ، لم أعطِ اللقاء أهمية كبيرة آنذاك؛ فالرجلان كانا جزءًا من منظومة الأجهزة الأمنية لنظام البشير، ووقتها كان الفريق صديق متدثرا بعباءة جناح أم جكو، ولم يكن في المشهد ما يدفعني إلى التوقف طويلًا عند تلك المصادفة.
مع ذلك، بقي شيء واحد عالقًا في ذاكرتي من ذلك اللقاء. كان دقلو يرتدي الزي القومي، ويتحدث بلسان فصيح وصراحة لافتة، فبدا لي حينها أقرب إلى شيخ عرب منه إلى ضابط عسكري رفيع الرتبة. لم تكن صورته يومها هي صورة الجنرال الذي تفرض رتبته الرسمية مسافة بينه وبين الآخرين، بل رجل يتحدث بعفوية وثقة.
#انتهى اللقاء وغادرت منزل الفريق صديق دون أن يخطر لي أن الرجل الذي رأيته لدقائق سيعود إلى حياتي مرة أخرى. #لكن السنوات التالية حملت لقاءً ثانيًا، هذه المرة في سياق مختلف تمامًا.
#جاءت إلى صحيفة «الجريدة» سيدة تشكو من ديون أثقلت كاهلها، وقالت إن قضيتها وصلت إلى طريق مسدود، وإن لا سبيل أمامها سوى مقابلة القائد. لم أجد سببًا يمنعني من محاولة مساعدتها، فاصطحبتها إلى مكتبه بالخرطوم ٢،
استمع دقلو إلى قضيتها، ثم طلب حضور المسؤول المالي والقانوني بالدعم السريع لدراسة ملفها. وبعد فحص الأوراق، جرت تسوية مستحقاتها المتعلقة بالشيكات بصورة عاجلة.
#انتهى اللقاء الثاني كما انتهى الأول، دون أن أتوقع أن تكون هناك مرة ثالثة. غير أن السودان نفسه كان يتجه نحو مرحلة لم تعد فيها المصادفات عادية، وكانت الحرب على وشك أن تجعل كل شيء مختلفًا.
#جاء اللقاء الثالث في رابعة النهار، وفي لحظة شخصية شديدة القسوة بالنسبة لي، لحظة إطلاق سراحي من أحد المعتقلات من قلب الخرطوم بواسطة عمي الشهيد اللواء عبدالله حسين.
#كان المشهد خارج المعتقل مختلفًا عن كل ما عرفته من قبل. الحرب كانت قد دخلت حياة السودانيين، والروايات المتصارعة أصبحت جزءًا من يومياتها. وفي ذلك الوقت تحديدًا، كانت أبواق الكيزان ووسائل إعلامهم تتحدث عن مصرع دقلو، وتذهب إلى حد القول إن أشلاءه دُفنت في ضاحية عد بابكر.
#خرجت من المعتقل وأنا أسمع تلك الرواية، ثم التقيت دقلو حيًا.
#كانت المفارقة أكبر من مجرد اختلاف في الأخبار؛ فقد كنت خارجًا لتوي من تجربة اعتقال، وأمام عيني رجل قيل إنه قُتل ودُفنت أشلاؤه بضاحية عد بابكر بشرق النيل ، وفي لحظة كهذه، يصبح الفارق بين ما يقال وما تراه بعينيك مسألة لا تحتاج إلى كثير من التعليق.
والآن وحين أستعيد اللقاءات الثلاثة اليوم، أجد أن المسافة بينها لم تكن زمنية فقط، بل كانت مسافة بين ثلاث مراحل مختلفة من السودان: الأولى قبل سقوط البشير، والثانية في السنوات التي أعقبت سقوطه، والثالثة في قلب الحرب.
لم أبحث عن أي من هذه اللقاءات، ولم أذهب إليها باعتبارها فرصة لكتابة شهادة عن دقلو. جاءت كلها عرضًا، لكن كل واحدة منها تركت في ذاكرتي صورة مختلفة ، رجلًا بزي قومي ولسان فصيح في اللقاء الأول، قائدًا يتعامل مع قضية امرأة مثقلة بالديون في الثاني، ورجلًا ألتقيه حيًا في الوقت الذي كانت فيه وسائل إعلام خصومه تنعيه في الثالث.
وهذه، في النهاية، ليست محاولة لصناعة صورة للرجل، ولا حكمًا على تجربته ، إنها فقط حكاية ثلاثة لقاءات عابرة، احتفظت بها الذاكرة لأنها وقعت في ثلاث لحظات لم يكن السودان فيها هو السودان نفسه.
شاهد ملك :
اللقاء الرابع كان مختلفا ايضا ليس لكونه اصبح رئيسا لأرض السمر ، بل لانني كنت على مقربة منه أكثر مما مضى …
#نواصل




