أشلاء الهامش ومأساة المدن المنسية: المجلد والدبب تحت مقصلة المحرقة السودانية

أشلاء الهامش ومأساة المدن المنسية: المجلد والدبب تحت مقصلة المحرقة السودانية
بقلم: نجوي بابو
عندما تنفجر السماوات نيراناً فوق رؤوس العمال والنساء والأطفال في أسواق كردفان، لا يعود الموت مجرد رقم في نشرة الأخبار، بل يصبح هتكاً وجودياً لنسيج الحياة الإنسانية بأكمله. إن المجزرة الأخيرة التي استهدفت مدينتي المجلد والدبب في ولاية غرب كردفان، والتي خلّفت مئات الضحايا والجرحى من الفئات الأكثر هشاشة، ليست سوى حلقة بائسة في سلسلة الانهيار الكبير لبلد يلتهم نفسه. لفهم هذه الفاجعة أن دماء البساطة والقتل المزدوج
في عمق الجرح الإنساني، تتبدى المأساة في أشد صورها وحشية حين يكون الضحايا هم الأيتام الذين يبيعون في الأسواق ليقيتوا أنفسهم، والأرامل اللواتي يصارعن شظف العيش، والمواطنون العزل الذين تجمعوا لأداء واجب العزاء فلاحقتهم آلة الموت بتكتيك الغارة المزدوجة الغادرة. القصف لا يقتل الأجساد فقط، بل يسحق اليومي والاعتيادي يحوّل السوق من مساحة للرزق والبقاء إلى مذبح مكشوف، ويجعل من فكرة إنقاذ مصاب أو إسعاف جريح فخاً للموت المتجدد. إنها أنثروبولوجيا الألم الحقيقي حيث تفقد الطفولة معناها ويصبح البقاء على قيد الحياة مجرد مصادفة مرعبة.
سرديات السيادة وفاتورة التهميش التاريخي
سياسياً، يعكس هذا النزاع العنيف الممتد بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع أزمة بنيوية في إدارة الدولة السودانية. من جهة، ترى المجموعات المناهضة في هذه الضربات الجوية استمراراً لنهج التهميش التاريخي والعقاب الجماعي لمجتمعات غرب السودان، حيث يتم استسهال التدمير تحت ذرائع عسكرية لمحو الحواضن الاجتماعية. وفي المقابل، تتمترس الرؤية الرسمية خلف سردية حماية السيادة ومحاربة المليشيا المتمردة التي تتهمها باستخدام المدنيين دروعاً بشرية والتحصن في قراهم. وبين مطرقة كسر الإرادة وسندان إنفاذ السيادة، يتم تسييس الجسد المدني وجعله مجرد وقود لخطوط النار ومعارك النفوذ.
ان تفكيك أركان الجريمة والمحاسبة الدولية
يقع ما جرى في المجلد والدبب في صميم الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان. إن استهداف الأعيان المدنية كالمستشفيات والمدارس والأسواق وسرادق العزاء، واستخدام الطيران المسيّر لضرب تجمعات مدنية، يضرب في مقتل المبادئ الأساسية الأربعة للنزاعات المسلحة: التمييز، والتناسب، والضرورة العسكرية، والاحتياط. إن تكتيك الضربة المزدوجة الذي يتربص بالمسعفين يمثل جريمة حرب موصوفة وجريمة ضد الإنسانية وفقاً لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية واتفاقيات جنيف لعام 1949. غياب الإرادة الدولية في فرض حظر الأسلحة وتفعيل لجان تقصي الحقائق يشرعن الإفلات من العقاب ويحول النص القانوني الدولي إلى مجرد حبر على ورق أمام دماء الأبرياء.
تفاهة الشر والإنسان المستباح
فلسفياً، تعيدنا هذه المحرقة إلى أطروحة الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين حول الإنسان المستباح ذلك الإنسان الذي يُجرد من حقوقه السياسية والقانونية لتصبح حياته مستباحة تماماً، يمكن قتله دون أن يعتبر ذلك جريمة أو تضحية ذات قيمة في نظر الآلة الحربية. كما تتبدى هنا تفاهة الشر كما صاغتها حنة أرندت، حيث يتحول القتل عبر كبسة زر من وراء شاشات الطائرات المسيّرة إلى فعل بيروقراطي بارد منزوع الأخلاق والإنسانية، ينفذه جنود يرون الضحايا كمجرد إحداثيات أو أهداف عسكرية على شاشة الرادار. إنه اختبار حقيقي للضمير البشري، وتساؤل وجودي حول معنى الدولة عندما تتحول أدواتها من حماية العقد الاجتماعي إلى أدوات لإبادة مواطنيها.
عبثية البنادق وحتمية الضمير
إن المجلد والدبب والنهود والفاشر وغيرها من مدن السودان الجريحة ليست مجرد بقع جغرافية للنزاع؛ إنها مسارح لمأساة أخلاقية تسألنا جميعاً عن معنى إنسانيتنا. إن استمرار الحرب في ظل شلل مسارات السلام وغياب الحلول السياسية يثبت أن البنادق لا تصنع وطناً، بل تحفره مقبرة واسعة. لن يتوقف النزيف إلا عندما يدرك الجميع أن دماء بائع بسيط في سوق المجلد أو طفل يتيم في الدبب أقدس من كل السرديات السياسية والعسكرية المتصارعة على أنقاض الوطن.




