الجرافات لا تبني وطناً، من كنابي الجزيرة واحزمة الفقر إلى معركة العدالة التاريخية وتأسيس السودان الجديد

المدن السودانية: حين تتحول إخفاقات الدولة في التخطيط والتنمية إلى عقوبة للمواطنين.
بقلم: حالد كودي، بوسطن
عن التخطيط الحضري والعدالة المكانية والاقتصاد السياسي للعمران في السودان
لا تُقاس حضارة الدول بما تشيده من مبانٍ وطرق وجسور، بل بمدى احترامها لكرامة الإنسان وضمان حقوقه، وفي مقدمتها الحق في السكن الآمن. فالمسكن ليس مجرد جدران وسقف، وإنما فضاء للحياة والذاكرة والانتماء والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي
إن هدم مساكن المواطنين السودانيين بذريعة إزالة السكن العشوائي يطرح أسئلة تتجاوز قوانين البناء وملكية الأرض، إلى الجذور التاريخية لبنية الدولة وعلاقات السلطة والثروة فيها. فقد تشكلت أنماط حيازة الأرض وتقسيم العمل والتفاوت الاجتماعي في سياقات تاريخية ارتبطت بالرق وعلاقات التبعية ذات الطابع الإقطاعي، ثم أعادت الإدارة الاستعمارية تنظيم جوانب منها وتقنينها بما يخدم مصالحها الاقتصادية والسياسية. ولم تُفكك النخب الحاكمة بعد الاستقلال هذه الاختلالات بصورة جذرية، بل استمرت امتيازات تاريخية مرتبطة بالأرض والثروة والسلطة، وأُعيد إنتاج التمييز الطبقي والإثني والجهوي والديني والنوعي، حتى أصبحت آثار تلك العلاقات حاضرة في توزيع الموارد والخدمات والحقوق السكنية.
وتعيد عمليات هدم المساكن في قرية طيبة الشيخ عبد الباقي بولاية الجزيرة هذه الأيام هذه القضية إلى الواجهة، بوصفها امتداداً لأزمة بنيوية لا تُعالج بالإزالة، وإنما بإعادة النظر في أسس الدولة وعلاقات المواطنة والملكية والتنمية. فلا يجوز أن يتحول التخطيط العمراني إلى أداة للتشريد والاقصاء أو لإعادة إنتاج الامتيازات التاريخية، أو أن يُعاقَب المواطن على إخفاق الدولة في توفير السكن والخدمات والعدالة الاقتصادية والمكانية.
إن القضية ليست دفاعاً عن البناء غير المنظم، ولا إنكاراً لضرورة حماية الأراضي العامة والزراعية وحثوث الافراد والمجتمعات، بل دفاع عن تخطيط علمي وإنساني عادل، يقوم على المساواة في المواطنة، ومعالجة المظالم التاريخية، وتوفير البدائل والتعويضات قبل الإزالة، ويرفض توظيف التخطيط العمراني وسيلةً للإقصاء أو العقاب الجماعي على أسس إثنية أو دينية او جهوية. فبناء سودان جديد يقتضي تفكيك علاقات الامتياز والتهميش الموروثة، لا إعادة إنتاجها تحت مسميات التنظيم والتخطيط.
أولاً: السكن العشوائي أم التخطيط العشوائي للدولة؟
في الفكر الحضري المعاصر، لا تُعد المستوطنات غير الرسمية مجرد مخالفات لقوانين البناء، بل نتاجاً لاختلالات بنيوية في توزيع الثروة والأرض والسلطة وفرص التنمية. وكما يوضح مانويل كاستلز، فإن المدينة تعكس علاقات القوة الاقتصادية والاجتماعية، بينما يؤكد ديفيد هارفي أن الحق في المدينة يتجاوز السكن فيها إلى المشاركة في تشكيل فضائها وتحديد مستقبلها.
وعليه، فإن مجرد وصف مساكن المواطنين بالعشوائية يتجاهل الظروف التي أنتجتها، ويعفي الدولة من مسؤوليتها التاريخية عن الحروب والتهميش والتنمية غير المتوازنة. فحين تحتكر فئات محدودة امتيازات الأرض والثروة، وتعجز الدولة عن توفير السكن والخدمات وفرص العمل، يصبح الاستيطان غير الرسمي استجابة اضطرارية لغياب البدائل، لا مجرد خروج على القانون.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: أين تكمن العشوائية الحقيقية: في مساكن الفقراء والنازحين، أم في سياسات الدولة التي أنتجت الحروب والفقر والتشرد، ثم لجأت إلى الجرافات لمعالجة نتائج إخفاقاتها؟
إن هدم المنازل لا يعالج أسباب نشأتها، بل ينقل الفقر والتشرد إلى مواقع أخرى، ويضاعف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية على الأسر المتضررة. وهكذا تتحول الإزالة دون بدائل وتعويضات عادلة من إجراء لتنظيم العمران إلى أداة لإعادة إنتاج التهميش والإقصاء المكاني، بينما تظل البنية الاقتصادية والسياسية المسؤولة عن الأزمة دون تغيير!
ثانياً: كنابي مشروع الجزيرة — إرث العلاقات الإقطاعية والتمييز العنصري والإنتاج الزراعي بلا عدالة سكنية
تمثل كنابي مشروع الجزيرة نموذجاً للاختلال التاريخي في علاقات الأرض والعمل والثروة في السودان. فمنذ تأسيس المشروع في الحقبة الاستعمارية، نشأت منظومة إنتاج زراعي قامت على تفاوت الحقوق والامتيازات بين أصحاب الحواشات والعمال الزراعيين، واستندت إلى تراتبية اجتماعية تأثرت بإرث الرق وعلاقات التبعية ذات الطابع الإقطاعي، وأعادت السياسات الاستعمارية إنتاج جوانب منها عبر تنظيم ملكية الأرض وتقسيم العمل.
وقد أسهم العمال الزراعيون، القادمون من مناطق السودان المهمشة وغيرها، وأسرهم عبر أجيال متعاقبة، في إنتاج الثروة التي شكلت أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، دون أن يحصل معظمهم على حقوق متكافئة في الأرض والسكن والخدمات أو المشاركة في إدارة شؤون مجتمعاتهم. وهكذا تحولت الكنابي من مساكن مرتبطة بالعمل الزراعي إلى مجتمعات مستقرة، بينما استمرت هشاشة أوضاعها القانونية والخدمية والاجتماعية.
ولم تنجح الدولة الوطنية بعد الاستقلال في معالجة هذه التفاوتات بصورة جذرية، فاستمرت الامتيازات التاريخية والتمييز الطبقي والإثني والجهوي، وانعكست على توزيع الأرض والخدمات والاعتراف بحقوق السكان.
ومن منظور العدالة المكانية، كما تناولها إدوارد سوجا، فإن استبعاد المجتمعات التي ساهمت في إنتاج الثروة من حقوق السكن والخدمات يمثل امتداداً صريحاً للاختلال في توزيع عوائد التنمية.
إن سكان الكنابي ليسوا طارئين على مشروع الجزيرة، بل جزء أصيل من تاريخه الاقتصادي والاجتماعي. ولذلك فإن معالجة أوضاعهم لا تبدأ بالهدم والإزالة، وإنما بالاعتراف بحقوقهم، وتسوية أوضاع الأراضي وفق القانون والعدالة، وإدماج مجتمعاتهم في التخطيط والتنمية. فالعدالة السكنية هنا ليست منحة من الدولة، بل استحقاق لمعالجة مظالم تاريخية امتدت آثارها إلى الحاضر.
ثالثاً: الاختلال الاقتصادي في بنية الدولة السودانية وإنتاج الهامش
لا يمكن فهم أزمة السكن غير الرسمي في السودان بمعزل عن التاريخ الطويل للتنمية غير المتوازنة.
فمنذ الحقبة الاستعمارية، تركزت الاستثمارات الكبرى في مناطق وممرات اقتصادية محددة، مرتبطة بالإدارة المركزية والزراعة التجارية والنقل والتصدير. وبعد الاستقلال، لم تنجح الدولة السودانية في تفكيك هذا التفاوت بصورة جذرية، بل استمرت أنماط عديدة من تركيز السلطة والموارد والخدمات في المركز.
ونتج عن ذلك تفاوت حاد في فرص التعليم والصحة والعمل والبنية التحتية بين الأقاليم، وبين الريف والحضر، وداخل المدن نفسها
وفي ضوء نظرية التنمية غير المتكافئة، فإن الهجرة من الأطراف إلى المراكز الاقتصادية ليست مجرد اختيار فردي، بل نتيجة متوقعة لتوزيع غير عادل للفرص.
فعندما لا يجد المواطن مدرسة جيدة أو مستشفى أو عملاً منتجاً في منطقته الأصلية، يصبح الانتقال إلى المدينة أو المشروع الزراعي وسيلة للبقاء الاقتصادي والاجتماعي.
وقد عمّقت الحروب المتعاقبة في جنوب السودان وجبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور هذه التحولات، ثم جاءت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لتضيف موجات هائلة من النزوح وتدمير المساكن وسبل العيش.
وبذلك التقت ثلاثة مسارات تاريخية: الفقر البنيوي، والهجرة الاقتصادية، والنزوح القسري.
إن هذه المسارات لا يمكن معالجتها بواسطة قوانين البناء وحدها، لأنها نشأت أساساً من إخفاقات السياسات الاقتصادية والتنموية والأمنية.
فالمواطن الذي فقد أرضه أو مصدر رزقه بسبب الحرب أو الجفاف أو انهيار الاقتصاد المحلي لا يصبح أقل استحقاقاً للحماية لأنه بنى منزلاً خارج المخطط الرسمي ان فعل.
بل تصبح مسؤولية الدولة مضاعفة: معالجة أسباب النزوح، وتوفير السكن الآمن، وإعادة بناء فرص الحياة الكريمة.
رابعاً: ما يُسمى “الأحزمة السوداء” — حين تتحول الجغرافيا إلى أداة للتمييز والإقصاء
شهدت الخرطوم ومدن أخرى في وسط السودان وشماله توسعاً في الأحياء الطرفية والمستوطنات غير الرسمية، نتيجة الحروب والنزوح والجفاف والتهميش الاقتصادي والتنموي. وبدلاً من معالجة أسباب هذه الظاهرة، شاع في بعض الخطابات الاجتماعية والسياسية وصف هذه المناطق بـ”الأحزمة السوداء” أو “العشوائيات”، في إشارة إلى تجمعات الفقراء والنازحين القادمين من الأقاليم المهمشة.
ولا يُعد تعبير “الأحزمة السوداء” توصيفاً تخطيطياً محايداً، بل يحمل دلالات عنصرية تربط الفقر ولون البشرة والأصل الجغرافي بالتهديد الاجتماعي والأمني، وتحول ضحايا التهميش إلى موضع اتهام. وتكمن خطورته في إضفاء المشروعية على سياسات الإقصاء المكاني والإزالة، بدلاً من مساءلة الدولة عن الظروف التي دفعت هؤلاء المواطنين إلى أطراف المدن.
وكما يؤكد هنري لوفيفر في مفهومه “الحق في المدينة”، فإن المدينة فضاء اجتماعي مشترك، والمشاركة في تشكيله والانتفاع بموارده حق لسكانه، لا امتياز تمنحه السلطة وفق الانتماء الإثني أو الطبقي أو الجهوي.
فالمدن السودانية الحضرية ليست ملكاً حصرياً لسكانها الأقدم أو للفئات المتمتعة بامتيازات الأرض والثروة، بل فضاءات وطنية لجميع المواطنين على قدم المساواة. إن وصم النازحين وتجريم الفقر وتحويل الأحياء الطرفية إلى تهديد ديموغرافي لا يعالج الاختلال العمراني، بل يكرس العنصرية والتهميش والانقسامات التي ساهمت في تأجيج الصراعات السودانية.
خامساً: طيبة الشيخ عبد الباقي — حين يُهدم المنزل مرتين
تكتسب عمليات هدم المساكن الأخيرة في قرية طيبة الشيخ عبد الباقي بولاية الجزيرة دلالة إنسانية وسياسية بالغة، لوقوعها في بلد أنهكته الحرب والنزوح وفقدان الممتلكات وسبل العيش.
فبحسب تقارير إعلامية، بينها تقرير راديو تمازج الصادر في 4 نوفمبر 2026، نفذت سلطات التخطيط العمراني بالولاية، في 3 نوفمبر، عمليات إزالة طالت أكثر من مائة منزل، بدعوى حماية الأراضي الحكومية. وفي المقابل، طالبت مركزية مؤتمر الكنابي بوقف الإزالات والتحقيق المستقل وتوفير المأوى والتعويضات، وسط اتهامات بالتمييز الإثني والجهوي تستوجب تحقيقاً مستقلاً.
وتأتي هذه الإجراءات بينما تعاني مجتمعات الكنابي أصلاً من آثار الحرب والفقر وضعف الخدمات وفقدان مصادر الرزق. وهنا يبرز السؤال التخطيطي والأخلاقي: ما المصلحة العامة في إزالة مساكن الأسر الفقيرة إذا كانت النتيجة تشريدها وتعميق هشاشتها الاقتصادية والاجتماعية؟
فالهدم لا يقتصر على تدمير المباني، بل يمتد إلى مدخرات الأسر وسبل عيشها وروابطها الاجتماعية وفرص أطفالها في التعليم، ويضاعف معاناة النساء وكبار السن والفئات الأكثر هشاشة. وكما يوضح أمارتيا سن في مقاربته للتنمية القائمة على القدرات، فإن الفقر لا يُقاس بنقص الدخل وحده، بل بحرمان الإنسان من الفرص الفعلية التي تتيح له حياة كريمة.
ويضاف إلى ذلك بُعد أخلاقي وسياسي يتمثل في غياب التضامن العلني الكافي من نخب المناطق التي شهدت الإزالات، ومن نخب الأحزاب السياسية المتمركزة في المركز، التي لم يظهر لها موقف جماعي واضح يستنكر تشريد الأسر ويطالب بحماية حقوقها. ويثير هذا الصمت تساؤلات حول انتقائية التضامن وحدود الالتزام الفعلي بقيم المواطنة والمساواة والعدالة. فالمسؤولية الأخلاقية لا تقع على من يصدر قرار الهدم وينفذه وحده، بل تمتد إلى القوى الاجتماعية والسياسية القادرة على الاعتراض، حين تختار الصمت أمام انتهاك كرامة المواطنين.
إن هدم منزل أسرة محدودة الموارد دون بديل وتعويض عادل لا يمثل مجرد خسارة عقارية، بل تقويضاً لشروط حياتها واستقرارها. ومن منظور التخطيط الحضري والعدالة الاجتماعية، فإن الإزالة التي تنتهي بالتشريد لا تعالج الاختلال العمراني، وإنما تنقل أعباء إخفاق السياسات العامة إلى المواطنين الأقل قدرة على تحملها. ولا يستقيم ادعاء الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان مع الصمت عن معاناة الفقراء والمهمشين، فالمواطنة المتساوية تُختبر في حماية حقوق الأضعف، لا في الشعارات السياسية وحدها.
سادساً: من التخطيط القائم على الإزالة إلى التخطيط القائم على الإنسان
شهد الفكر التخطيطي المعاصر تحولاً من سياسات الهدم والإزالة إلى مقاربات تضع الإنسان وحقوقه ومشاركته في صميم التنمية الحضرية. فقد انتقدت جين جاكوبز، في كتابها موت وحياة المدن الأمريكية الكبرى (1961)، التخطيط الفوقي الذي يتجاهل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية للأحياء، بينما أكد جون تيرنر أهمية تمكين السكان من تطوير مساكنهم عبر ضمان الحيازة الآمنة وتوفير الخدمات والدعم المؤسسي.
In- situ Upgrading وانطلاقاً من هذه الرؤى، تطور مفهوم التطوير في الموقع
الذي يعطي الأولوية لتأهيل المستوطنات القائمة، وتنظيمها وتوفير بنيتها التحتية وخدماتها، بدلاً من إزالتها وتشريد سكانها. وهو نهج يحافظ على الروابط الاجتماعية وسبل العيش، وثبت انه أكثر جدوى اقتصادية من الهدم وإعادة التوطين.
وفي السودان، حيث تتداخل آثار الحروب والفقر والتهميش التاريخي مع محدودية الموارد، تقتضي العدالة التخطيطية اعتماد التطوير في الموقع خياراً أول، وألا تُنفذ الإزالة إلا عند الضرورة المثبتة، وبعد التقييم المستقل والتشاور مع السكان، وإنشاء المساكن البديلة أولا، وتجهيزها وانتقال الأسر إليها فعلياً قبل أي هدم.
سابعاً: البديل والتعويضات أولاً — التزام قانوني واستحقاق للعدالة التاريخية
إن توفير السكن البديل والتعويض العادل قبل الإزالة ليس مجرد مطلب إنساني، بل يستند إلى المادة (25) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، والمادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966)، والمادة (17) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966)، التي تكفل الحق في السكن الملائم والحماية من التدخل التعسفي في المسكن. كما يوضح التعليق العام رقم (7) لسنة 1997 الصادر عن لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والمبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية بشأن عمليات الإخلاء والترحيل بدافع التنمية (2007)، ضرورة التشاور المسبق، وضمان الإجراءات القانونية، وجبر الأضرار، ومنع التشرد، وتوفير السكن البديل الملائم للمتضررين غير القادرين على تأمينه بأنفسهم. وعليه، فإن إزالة المساكن دون هذه الضمانات تشكل انتهاكاً لالتزامات الدولة الدولية، ولا تكتسب المشروعية لمجرد صدور قرار إداري بالهدم
ولا يقتصر السكن البديل على توفير قطعة أرض أو مأوى مؤقت، بل يشمل المسكن الآمن والخدمات الأساسية وإمكانية الوصول إلى العمل والتعليم والصحة. كما أن التعويض عن الممتلكات والأضرار وفقدان مصادر الرزق حق مستقل عن توفير السكن البديل، وفق طبيعة الضرر والحقوق المستحقة.
وعليه، السياسة الوطنية لمعالجة السكن غير الرسمي بجل ان تقوم علي تقوم على المبادئ التالية
١/ وقف الإزالات المسببة للتشرد إلى حين استكمال المراجعات القانونية والاجتماعية وضمان حقوق المتضررين
٢/ اعتماد التطوير في الموقع أولوية، مع تسوية أوضاع الحيازة وتحسين الخدمات، وإنشاء المساكن البديلة وتجهيزها وإسكان الأسر فيها قبل أي إزالة ضرورية.
٣/ إشراك المجتمعات المتأثرة في التخطيط واتخاذ القرار، مع ضمان تمثيل النساء والشباب والفئات الأكثر هشاشة
٤/ ضمان التعويض العادل وجبر الضرر عن الممتلكات والخسائر الاقتصادية والاجتماعية، وفق تقييم مستقل وآليات قانونية للطعن
٥/ حماية الأراضي الزراعية والمرافق العامة من خلال تخطيط استباقي عادل يوفر احتياجات السكن والتنمية دون تشريد المواطنين
٦/ إنشاء آليات مستقلة للمساءلة والتظلم والتحقيق في التجاوزات والتمييز الإثني والجهوي والطبقي
٧/ اعتماد سياسات التمييز الإيجابي والإنصاف التعويضي لصالح المجتمعات المتضررة من التهميش التاريخي، بما يشمل أولوية الحصول على الأراضي السكنية والخدمات والبنية التحتية وفرص التنمية، وفق معايير شفافة.
ولا بد من تضمين هذه المبادئ في التشريعات القومية والاقليمية باعتبارها التزامات قانونية قابلة للإنفاذ، لا مجرد توصيات أخلاقية.
إن العدالة السكنية في السودان لا تنفصل عن العدالة التاريخية. فالمساواة الشكلية بين مجتمعات ورثت امتيازات الأرض والثروة وأخرى عانت الحرمان عبر أجيال لا تكفي لمعالجة التفاوت المتراكم. ولذلك تمثل سياسات الإنصاف التعويضي والتمييز الإيجابي أدوات لمعالجة المظالم البنيوية، وإعادة توزيع الفرص، وترميم الثقة بين الدولة والمجتمعات المهمشة.
ومن منظور بناء السلام، فإن الاعتراف بالمظالم التاريخية وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات شروط أساسية للتشافي الاجتماعي وإزالة الاحتقانات والغبائن المتوارثة. فلا مصالحة مستدامة دون إنصاف، ولا سلام إيجابياً دون معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والمكانية التي أنتجت التهميش والصراع.
ثامناً: إعادة تخطيط السودان تبدأ بإصلاح العلاقة بين المركز والهامش
إن أزمة الكنابي والأحياء الطرفية ومايسمي بالاحزمة السودء لا يمكن حلها بصورة نهائية دون معالجة الاختلالات البنيوية في الاقتصاد السياسي السوداني.
فالتخطيط الحضري ليس منفصلاً عن التخطيط الاقتصادي والإقليمي، ولا يمكن بناء مدن عادلة في دولة تستمر فيها الفوارق الهائلة بين مناطق الإنتاج ومراكز توزيع الثروة والسلطة
Disasters وقد أظهرت دراسة أكاديمية منشورة في مجلة
حول الاقتصاد السياسي لمشروع الجزيرة أن التحولات المؤسسية والاقتصادية، بما فيها سياسات الخصخصة وإصلاحات عام 2005، زادت هشاشة المزارعين والعمال، وعمّقت التوترات الاجتماعية القائمة على علاقات العمل والهوية والامتيازات التاريخية.
PubMed Central (PMC)
وتكشف هذه الدراسة عن حقيقة أوسع: أن الفقر والتهميش في السودان ليسا مجرد نتيجة لنقص الموارد، بل يرتبطان أيضاً بكيفية إدارة الموارد وتوزيع عوائدها، وبالعلاقات غير المتكافئة بين الفئات الاجتماعية والمناطق الجغرافية.
ولذلك فإن الإصلاح العمراني الحقيقي ينبغي أن يرتبط بمشروع وطني أوسع لإعادة توزيع فرص التنمية، وتوسيع صلاحيات الحكم المحلي، وتوفير الخدمات في الأقاليم، وتحقيق العدالة في ملكية الأرض والانتفاع بها، وإعادة بناء الاقتصاد الزراعي والصناعي على أسس أكثر إنصافاً.
ينبغي أن تستند إعادة إعمار السودان بعد الحرب إلى سياسة وطنية عادلة للإسكان وإعادة التوطين، تستوعب النازحين والعائدين والمجتمعات المضيفة، وتعالج المظالم التاريخية في ملكية الأرض وتوزيع الموارد والخدمات، وتمنع إعادة إنتاج التمييز والإقصاء المكاني.
ويتسق ذلك مع رؤية مشروع تأسيس السودان الجديد القائمة على تفكيك البنية التاريخية للامتيازات، وترسيخ المواطنة المتساوية والعدالة التاريخية واللامركزية والإنصاف التعويضي. فإعادة الإعمار ليست مجرد ترميم لما دمرته الحرب، بل فرصة لإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمواطن على قواعد العدالة والمشاركة المتكافئة في الأرض والثروة والتنمية، بما يعالج جذور التهميش ويؤسس للسلام الإيجابي المستدام.
تاسعاً: العدالة المكانية جزء من السلام الإيجابي
يرتبط هذا النقاش ارتباطاً مباشراً بمفهوم السلام الإيجابي الذي طوره عالم دراسات السلام يوهان غالتونغ، والذي يميز بين غياب العنف المباشر وبين معالجة أشكال العنف البنيوي المتجذرة في المؤسسات والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية.
فقد تتوقف الحرب، لكن المجتمع لا يصبح بالضرورة مجتمعاً آمناً وعادلاً إذا استمرت سياسات الإقصاء والفقر والتمييز وحرمان المواطنين من الأرض والسكن والخدمات.
من هذا المنظور، تمثل الإزالة التعسفية للمساكن شكلاً من أشكال العنف البنيوي، إذ تعيد إنتاج الحرمان والتهميش، وتقوض الثقة في مؤسسات الدولة، وتراكم المظالم التي قد تتحول إلى أسباب للصراع.
وعليه، فإن ضمان حقوق سكان الكنابي والأحياء الطرفية في الأرض والسكن والخدمات والمشاركة في التخطيط والتنمية ليس مجرد استجابة إنسانية، بل استحقاق من استحقاقات العدالة التاريخية وبناء السلام الإيجابي وإعادة تأسيس الدولة على قاعدة المواطنة المتساوية.
فلا يمكن قيام دولة عادلة ما دامت حقوق السكن والأرض والأمان مشروطة بالأصل الإثني أو الجغرافي أو الوضع الطبقي، بدلاً من أن تكون حقوقاً مكفولة لجميع المواطنين دون تمييز.
خاتمة: لا تُبنى المدن العادلة على أنقاض منازل الفقراء — العدالة المكانية واستحقاقات تأسيس السودان الجديد
إن عمليات هدم المساكن في طيبة الشيخ عبد الباقي ليست مجرد إجراءات إدارية، بل تعكس استمرار الاختلالات التاريخية في علاقات الأرض والثروة والسلطة، وما ارتبط بها من تمييز طبقي وإثني وجهوي. فقد أسهم سكان الكنابي في بناء الاقتصاد الزراعي، وسكان الأحياء الطرفية في تنمية المدن، بينما ظل كثيرون منهم محرومين من حقوق السكن والأرض والخدمات الأساسية.
لابد من ادانة عمليات الهدم والتشريد التي تنفذها السلطات دون ضمانات قانونية وبدائل سكنية وتعويضات عادلة، ونحمّل سلطة بورتسودان وحكومة عبد الفتاح البرهان مسؤولية ضمان حماية المواطنين ومساءلة الجهات التابعة لها عن هذه الانتهاكات. لا يجوز اتخاذ التخطيط العمراني ذريعة لإعادة إنتاج التهميش، خصوصاً في بلد أنهكته الحرب والنزوح والفقر.
وتبرز هنا أهمية رؤية السودان الجديد التي يتبناها تحالف تأسيس، بما تطرحه من تفكيك بنية الامتيازات التاريخية وإقامة دولة علمانية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة والمحاسبة التاريخية، واللامركزية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة. وتمثل إعادة الإعمار فرصة لترجمة هذه المبادئ إلى إصلاحات ملموسة في قوانين الأراضي والإسكان والتخطيط، واعتماد الإنصاف التعويضي والتمييز الإيجابي لجبر المظالم التاريخية.
ويجب أن يحكم أي تدخل عمراني مبدأ لا يقبل المساومة: البديل السكني أولاً، والتعويض العادل والضمانات القانونية أولاً، ثم الإزالة عند الضرورة القصوى وبعد استنفاد جميع البدائل الممكنة.
النضال مستمر والنصر اكيد.
((أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات




