رأي

الدولة العميقة ومعركة الاحتفاظ بالمركز

الدولة العميقة ومعركة الاحتفاظ بالمركز

بقلم: خالد النيل جمعة سهل

إن المتتبع للتاريخ السياسي للسودان عبر عقوده المختلفة يلاحظ ان هنالك نمط متكرر ومأساوي؛ فكل انتفاضة شعبية أو ثورة تسقط نظاماً شمولياً، تتبعها تسويات فوقية لا تمس جوهر المشكلة و يتم اعادة تدوير النخب ذاتها عبر شعارات براقة ومواثيق انتقالية هشة، تتجاهل الجذر الحقيقي للأزمة وهو إعادة هيكلة الدولة السودانية من أساسها.

وعندما تطرح مشاريع جديدة ترفع شعار التأسيس أو تصحيح المسار التاريخي، تسارع قوى سياسية واجتماعية والمستفيدون من الوضع القائم إلى مقاومتها بشراسة. ومحاربتها بكل السبل هذه المقاومة لا تنبع من خلاف فكري على تفاصيل دستورية، بل هي دفاع مستميت عن امتيازات تاريخية ومكتسبات ضيقة راكمتها مراكز النفوذ على مدار عقود.

إن مقاومة مشروع التأسيس ليست مجرد تباين عابر في الآراء حول عناوين المراحل أو أشكال السلطة والترتيبات الانتقالية، بل هي في جوهرها انعكاس لأزمة تاريخية عميقة ظلت تلاحق الدولة السودانية منذ نشأتها الحديثة فخلف كل جدار سياسي وخلاف بروتوكولي، يتردد السؤال الوجودي الذي أرق السودان عقوداً طويلة: من يملك حق حكم هذا الوطن؟ ومن يقرر مصير شعوبه؟ ومن يستحوذ على مقدراته وثرواته؟

إن جوهر القضية يتجاوز الصراع على كراسي السلطة في العاصمة، ليمس طبيعة الدولة نفسها، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وبين السلطة والمجتمعات، وبين الثروة المنتجة في الأطراف والقرار المتخذ في المركز.

لقد عاشت قطاعات واسعة من المجتمعات السودانية زمناً طويلاً في ظل نموذج سياسي وإداري يقوم على تركيز السلطة في المركز، وتحويل الأقاليم إلى وحدات تابعة تنتظر قراراتها من العاصمة، حتى أصبحت المسافة بين الدولة والمجتمع أكبر من المسافة الجغرافية بينهما. وفي ظل هذا النموذج، لم تكن المشكلة دائماً في غياب الموارد، وإنما في غياب العدالة في توزيعها، وفي حرمان المجتمعات المنتجة من امتلاك القرار المتعلق بأرضها ومواردها ومستقبلها.

ومن هنا يمكن فهم جانب من الاعتراض على مشروع تأسيس الدولة فهو يطرح، بحسب التصور الذي يدافع عنه أنصاره، مسألة إعادة تعريف السلطة، بحيث لا تبقى حكراً على النخب السياسية والإدارية التي ورثت مقاليد الدولة المركزية من المستعمر، وإنما تصبح المجتمعات المحلية شريكاً أصيلاً في إدارة شؤونها.

وهنا تحديداً تكمن القضية الفكرية الكبرى: هل الدولة السودانية ملك للمركز، أم أنها عقد سياسي واجتماعي بين مجتمعات متعددة، لكل منها الحق في المشاركة في إدارة وطنها والاستفادة العادلة من موارده؟

ان الدولة العميقة ليست مجرد أشخاص شغلوا مواقع السلطة في مرحلة تاريخية معينة، بل يمكن النظر إليها باعتبارها منظومة من المصالح والتقاليد الإدارية والسياسية وشبكات النفوذ التي تتغذى على احتكار القرار، وتستمد استمرارها من بقاء العلاقة بين المركز والأطراف على صورتها القديمة وتؤدي دور الوكيل عن قوي خارجية ظلت تنظر للسودان علي انه الحديقة الخلفية.

وفي هذا السياق، فإن مقاومة أي مشروع يعيد توزيع السلطة والثروة تستحق أن تُقرأ من زاوية المصالح التي قد تتأثر بهذا التحول، لا من خلال الشعارات المعلنة وحدها.

فحين يُطرح سؤال: لماذا لا تدير المجتمعات مناطقها؟ ولماذا لا تكون لأبناء كردفان ودارفور والشرق والنيل الأزرق وسائر الأقاليم سلطة حقيقية على مواردهم وأولوياتهم التنموية؟ ولماذا تظل القرارات الكبرى رهينة مؤسسات بعيدة عن واقع الناس؟ فإننا نكون أمام سؤال يمس بنية الدولة وموازين القوة فيها.

 

إن اللامركزية الحقيقية تعني إعادة توزيع السلطة، وليس مجرد تقسيم جغرافي للبلاد إلى ولايات ومحليات. وتعني أن يكون للمجتمع المحلي دور دستوري ومؤسسي في تحديد أولوياته، وإدارة خدماته، والتخطيط لتنميته، والرقابة على موارده وميزانياته.

وهذا هو الفارق بين اللامركزية الشكلية واللامركزية الفعلية: الأولى تنقل أسماء المؤسسات ومكاتب المسؤولين إلى الأقاليم، بينما الثانية تنقل إليها صلاحيات القرار والموارد والمساءلة.

إذا عدنا إلى تاريخ السودان، نجد أن التنوع السياسي والإداري ليس أمراً طارئاً على هذه البلاد. فقد عرفت الممالك السودانية القديمة، ومنها الممالك النوبية ومملكة الفونج وسلطنة دارفور، أنماطاً متعددة من تنظيم السلطة وإدارة الأقاليم، وكانت للزعامات والسلطات المحلية أدوار في تدبير شؤون مجتمعاتها.

ثم جاءت مراحل الحكم المركزي، خصوصاً في العهد التركي المصري، لتعيد تشكيل العلاقة بين الأقاليم والسلطة الحاكمة من خلال إدارة شديدة الارتباط بالمركز.

وخلال الحكم الاستعماري، أُعيد تنظيم الإدارة المحلية عبر نظام الإدارة المحلية، الذي أُدخل في صورته المؤسسية منذ عشرينيات القرن العشرين. لكن ينبغي ألا نخلط بين الإدارة الاهلية المستمدة من المجتمع وبين نظام الإدارة المحلية الاستعماري؛ فقد استخدم الاستعمار السلطات المحلية أحياناً أداة للحكم غير المباشر وضبط المجتمعات، ولم يكن ذلك نموذجاً متكاملاً للحكم الديمقراطي الذاتي.

وبعد الاستقلال عام 1956، ظل سؤال الفيدرالية وتوزيع السلطة حاضراً في النقاش السياسي السوداني. وكانت المطالبة بالحكم الفيدرالي من القضايا التي برزت في مطالب الجنوب قبل الاستقلال، لكن الدولة الوليدة لم تستطع بناء توافق وطني مستقر حول طبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم.

وجاء اتفاق أديس أبابا عام 1972 ليقدم تجربة مهمة في الحكم الإقليمي، إذ منح جنوب السودان حكماً ذاتياً إقليمياً، وأسهم في إنهاء الحرب الأولى. لكن إلغاء ترتيبات الحكم الإقليمي وإعادة تركيز السلطة عام 1983 كانا من العوامل التي سبقت استئناف الحرب.

وفي عام 2005، أعادت اتفاقية السلام الشامل طرح الحكم اللامركزي وتقاسم السلطة بين المستويات القومية والإقليمية والولائية والمحلية. غير أن التجربة السودانية كشفت أن وجود نصوص دستورية تتحدث عن الفيدرالية لا يكفي وحده لضمان انتقال حقيقي للسلطة والموارد إلى المجتمعات.

وهنا تكمن العبرة التاريخية: ليست المشكلة في غياب أسماء الأنظمة اللامركزية من الدساتير، وإنما في غياب الإرادة السياسية والمؤسسات القادرة على تحويل تلك المبادئ إلى واقع.

إن القضية المركزية التي يطرحها مشروع التأسيس، وفق الرؤية المطروحة هنا، هي الانتقال من مفهوم الدولة التي تحكم المجتمعات إلى مفهوم الدولة التي تديرها المجتمعات وتشارك في بنائها.

فالسودان ليس العاصمة وما يحيط بها، وليس مجموعة المؤسسات التي تتحدث باسم البلاد وتحتكر حق تقرير مستقبلها. السودان هو إنسان وأرض وموارد وتاريخ وتنوع اجتماعي وثقافي واقتصادي.

ولا يستقيم أن تكون مناطق الإنتاج الزراعي والحيواني والمعدني والرعوي مجرد خزانات للموارد، بينما تظل عوائد هذه الموارد وقرارات استثمارها بعيدة عن أصحاب المصلحة المباشرة فيها.

فمن حق المجتمعات المنتجة أن تكون شريكاً في تحديد كيفية استثمار مواردها، ومن حقها أن ترى أثر تلك الموارد في مدارسها ومستشفياتها وطرقها ومياهها وأسواقها وفرص عمل أبنائها.

وهذا لا يعني تفكيك السودان أو تحويل الأقاليم إلى جزر منفصلة، بل يعني إعادة بناء الوحدة الوطنية على أسس جديدة: وحدة تقوم على المشاركة والعدالة والرضا المتبادل، لا على التبعية والإكراه.

فالوحدة التي لا تعترف بحقوق مكوناتها تظل وحدة هشة، أما الوحدة التي تقوم على الاعتراف المتبادل والعدالة في السلطة والثروة، فلها أساس اجتماعي وسياسي أكثر رسوخاً.

الإدارة المجتمعية الفاعلة لا تعني أن تحل القبيلة محل الدولة، أو أن تحتكر جماعة بعينها القرار في منطقة متعددة السكان، وإنما تعني بناء مؤسسات محلية تمثيلية تستوعب جميع السكان، وتضمن المشاركة المتساوية، وتحترم المواطنة وسيادة القانون.

وتستطيع المجتمعات المحلية أن تؤدي دوراً مهماً في:

* تحديد الأولويات التنموية وفق احتياجات المنطقة.

* إدارة المشروعات والخدمات المحلية ومراقبة تنفيذها.

* حماية الموارد الطبيعية وتنظيم الانتفاع بالأرض والمياه والمراعي.

* تسوية النزاعات المحلية بالوسائل القانونية والسلمية.

* إشراك النساء والشباب والمهنيين والمنتجين في صناعة القرار.

* مراقبة الإيرادات العامة والإنفاق المحلي ومكافحة الفساد.

إن الإدارة المجتمعية الحديثة لا تقوم على النسب أو الانتماء الإثني، وإنما على المواطنة والكفاءة والتمثيل والمساءلة.

وهذا التمييز أساسي، لأن تحويل اللامركزية إلى محاصصة قبلية سيعيد إنتاج الأزمة في مستويات أصغر، بينما المطلوب هو تفكيك احتكار السلطة، لا نقل الاحتكار من المركز إلى جماعات محلية جديدة.

لا يمكن الحديث عن الحكم الذاتي للمجتمعات دون الحديث عن الاقتصاد السياسي للموارد،فالمشكلة السودانية ليست فقط مشكلة توزيع المناصب السياسية، بل هي أيضاً مشكلة توزيع الفرص الاقتصادية، وملكية القرار المتعلق بالموارد، وتحديد الجهات التي تستفيد من عوائد الإنتاج.

خذ كردفان مثالاً: إنها منطقة ذات إمكانات زراعية وحيوانية وتجارية ومعدنية واسعة، ولها وزن مهم في الاقتصاد السوداني. وكذلك دارفور بما تملكه من ثروة حيوانية وأراضٍ زراعية وموارد طبيعية، والشرق بما يمثله من أهمية اقتصادية واستراتيجية، الاقليم الشمالي ومايملكه من ثروة معدنية وسائر أقاليم السودان، السؤال الذي ينبغي أن يُطرح هو: لماذا لا تتحول هذه الإمكانات إلى تنمية ملموسة يشعر بها سكان تلك المناطق؟

لماذا لا تكون للمجتمعات المحلية مؤسسات اقتصادية وتنموية قادرة على تحويل الموارد إلى قيمة مضافة، بدلاً من استمرار تصدير المواد الخام وانتقال معظم فرص الاستثمار والقرار إلى خارج مناطق الإنتاج؟

إن إعادة بناء الدولة تستلزم تأسيس عقد جديد يقوم على:

* حق الأقاليم في نصيب عادل وشفاف من عوائد مواردها.

* وجود صندوق قومي للتوازن التنموي يعالج الفوارق التاريخية بين المناطق.

* منح الحكومات المحلية صلاحيات حقيقية في التخطيط والإنفاق.

* تطوير الصناعات التحويلية بالقرب من مناطق الإنتاج.

* حماية حقوق المجتمعات المحلية في الأرض والمياه والمراعي والموارد الطبيعية.

* إخضاع الإيرادات والإنفاق لرقابة مستقلة ومؤسسات تشريعية ومجتمعية.

وبذلك تصبح الثروة وسيلة لبناء المواطنة وتحقيق التنمية، لا مصدراً لإعادة إنتاج التبعية السياسية والاقتصادية.

واذا تسألنا لماذا تثير اللامركزية الحقيقية مخاوف الدولة المركزية؟ فان الاجابة لاتحتاج الي عناء كبير لان التحول نحو دولة لامركزية حقيقية يغير طبيعة العلاقة بين النخب السياسية والمجتمعات ،ففي النموذج المركزي، تستطيع النخبة التي تسيطر على مؤسسات الدولة أن تتحكم في الوظائف والميزانيات والمشروعات والأولويات، وأن تجعل الوصول إلى الموارد والخدمات مرتبطاً بالقرب من دوائر النفوذ في العاصمة.أما في النموذج اللامركزي، فإن جزءاً مهماً من هذه السلطات ينتقل إلى مؤسسات إقليمية ومحلية، وتصبح المجتمعات أكثر قدرة على مراقبة المسؤولين ومحاسبتهم وتغيير أولويات التنمية وفق احتياجاتها،وهذا التحول قد يصطدم بمصالح شبكات سياسية واقتصادية وإدارية اعتادت العمل داخل منظومة شديدة المركزية.

لكن من الإنصاف أيضاً ألا نعتبر كل من يعترض على مشروع التأسيس مدافعاً عن الدولة العميقة، أو رافضاً لحقوق الأقاليم؛ فهناك مخاوف مشروعة تتعلق بوحدة الدولة، وعدالة التمثيل، وضمان الحقوق، ومخاطر تفتيت المؤسسات الوطنية. والاختبار الحقيقي لأي مشروع تأسيسي هو قدرته على الإجابة عن هذه المخاوف من خلال دستور واضح، ومؤسسات شرعية، وضمانات للمواطنة المتساوية، وتوزيع عادل للصلاحيات والموارد.فلا ينبغي أن تتحول مقاومة المركزية إلى مركزية جديدة بأسماء مختلفة،إن بناء الدولة لا يبدأ وينتهي بتغيير الحكومة أو استبدال النخب الحاكمة، بل يحتاج إلى تحول أعمق في الثقافة السياسية والاجتماعية ، نحتاج إلى الانتقال من ثقافة انتظار المسؤول القادم من العاصمة إلى ثقافة المبادرة المحلية، ومن انتظار المشروعات الحكومية إلى تأسيس المؤسسات الإنتاجية والمجتمعية، ومن التنافس على المناصب إلى التنافس في البناء والتنمية،ونحتاج كذلك إلى إعادة الاعتبار للمجتمعات المحلية باعتبارها شريكاً في صناعة المستقبل، لا مجرد قواعد اجتماعية تُستدعى عند الانتخابات أو الأزمات او النظر اليه باعتبارها خزانا للموارد والجنود .

وهنا تبرز أهمية الإدارة المجتمعية في كردفان ودارفور والشرق وغيرها من المناطق، مع الاستفادة من الخبرات التاريخية للإدارات المحلية، دون إعادة إنتاج ذات العيوب أو إخضاع المجتمعات لسلطة النخب التقليدية ، إن المجتمعات التي تمتلك القدرة على إدارة مواردها وتسوية نزاعاتها وتنظيم مصالحها تستطيع أن تكون قاعدة قوية لدولة حديثة، بشرط أن تعمل هذه المؤسسات ضمن إطار دستوري وطني يضمن الحقوق والحريات والمساواة، إن مستقبل أي مشروع يدعو إلى إعادة توزيع السلطة في السودان لا يتحدد فقط بقدرته على مواجهة خصومه السياسيين، وإنما بمدى قدرته على تقديم نموذج عملي مختلف في الحكم والإدارة والتنمية وهذا يتطلب أن تتحول المبادئ إلى مؤسسات، والشعارات إلى سياسات، والوعود إلى نتائج قابلة للقياس،فإذا كان التأسيس يعني حق المجتمعات في إدارة نفسها، فلا بد أن يقدم تصوراً دستورياً واضحاً للحكم اللامركزي وإذا كان يعني حقها في مواردها، فلا بد أن يحدد قواعد توزيع الإيرادات والثروة والرقابة عليها وإذا كان يعني إنهاء التهميش، فلا بد أن يقدم برنامجاً لمعالجة الاختلالات التنموية التاريخية وإذا كان يعني بناء دولة جديدة، فلا بد أن يضمن استقلال القضاء، والمساواة أمام القانون، واحتكار الدولة للسلاح عبر مؤسسات وطنية مهنية، والتداول السلمي للسلطة ،كما ينبغي أن تكون المصالحة المجتمعية وجبر الضرر وإعادة بناء الثقة بين المكونات السودانية جزءاً أصيلاً من المشروع، لا ملفات مؤجلة إلى ما بعد انتهاء الصراعات. فلا معنى لدولة لامركزية تتوزع فيها السلطة بينما تتفتت فيها المجتمعات، ولا معنى لحكم محلي لا يحمي حقوق الأفراد والجماعات، ولا معنى لاستقلال الأقاليم إدارياً إذا ظلت أسيرة الفقر وضعف المؤسسات.

إن السودان يقف أمام سؤال تاريخي يتجاوز أسماء الحكومات والمشروعات السياسية: هل نستمر في إعادة إنتاج الدولة التي تحتكر فيها قلة محدودة السلطة والثروة والقرار، أم نؤسس لدولة تعترف بتعدد شعوبها، وتمنح مجتمعاتها حق المشاركة الفعلية في إدارة شؤونها؟ ، إن جوهر التحول المطلوب هو الانتقال من دولة المركز إلى دولة الأقاليم والمجتمعات، ومن الحكم بالوصاية إلى الحكم بالمشاركة، ومن اقتصاد استخراج الموارد لمصلحة دوائر النفوذ إلى اقتصاد تنموي تستفيد منه المجتمعات المنتجة.

وليس المقصود أن تكون العاصمة عدواً للأقاليم، أو أن يصبح الإقليم بديلاً عن الوطن، بل أن تتغير فلسفة العلاقة بينهما؛ فالعاصمة ينبغي أن تكون مركزاً للتنسيق الوطني والمؤسسات السيادية المشتركة، لا مركزاً لاحتكار القرار ومصادرة إرادة المجتمعات.

إن مشروع التأسيس، كما تطرحه الرؤية التي يناقشها هذا المقال، يضع هذه المسألة في قلب النقاش حول مستقبل السودان. ومن حق أنصاره أن يدافعوا عن رؤيتهم، ومن حق منتقديه أن يناقشوها ويختبروها، لكن لا ينبغي أن يكون حق المجتمعات في الحكم والمشاركة والعدالة موضع إنكار أو مساومة.

فالسودان الذي نطمح إليه ليس سوداناً تحكم فيه جماعة باسم الجميع، ولا عاصمة تقرر نيابة عن الأقاليم، ولا إقليماً يحتكر القرار على حساب بقية سكانه؛ بل سودان تتشارك شعوبه في صناعة الدولة وإدارة مواردها وصياغة مستقبلها.

إن التاريخ لا يسير دائماً في خط مستقيم، وقد تتعثر مشروعات التغيير وتواجه مقاومة وانتكاسات، لكن سؤال العدالة في السلطة والثروة سيظل قائماً ما دامت أسبابه قائمة.

ولذلك فإن الرهان الحقيقي ليس على انتصار مشروع سياسي على خصومه فحسب، بل على نجاح أي مشروع تأسيسي في تحويل حق الشعوب في إدارة نفسها إلى نظام دستوري ومؤسسي مستقر، يحفظ وحدة السودان بالتوافق والعدالة والاختيار الحر.

فالسودان ليس ملكاً للمركز، وليس إرثاً تتوارثه النخب السياسية؛ السودان ملك لشعوبه جميعاً، ومن حق هذه الشعوب أن تكون شريكة في حكمه، وصاحبة قرار في مواردها، وصانعة لمستقبلها.

 

 

 

ملاحظة توثيقية: استندت اللمحات التاريخية في المقال إلى دراسات عن تطور الحكم المحلي والفيدرالية في السودان، واتفاقية أديس أبابا لعام 1972، واتفاقية السلام الشامل لعام 2005، ومنها:

* دراسة Governance and Fiscal Federalism in Sudan، مركز Chr. Michelsen Institute. [قراءة الدراسة](https://www.cmi.no/publications/file/6189-governance-and-fiscal-federalism-in-sudan.pdf?utm_source=chatgpt.com).

* دراس تاريخيةعن الإدارة الأهلية والاستعمار ف السودانقراءة الدرا](https://horizon.documentation.ird.fr/ex l-doc/pleins _ textes/2025-04/010093194.pdf?utm_source=chatgpt.com).

دراسة دوغلاس

جونسون عن اتفاقة أباباوالحكم الإقليمي.قراءالفصل (https://www.cambridge.org/core/books/abs/root-causes-of-sudans-civil-wars/addis ababa-agreement-the-regional-governm-197283/A9E8251ED9C9F823FF26CB78F8883A49?utm_source=chatgpt.co).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!