تأسيس الدولة الممكنة: لحظة فارقة في حاضر السودان

علي أحمد
في واحدةٍ من أكثر اللحظات التاريخية حساسيةً وتعقيدًا في تاريخ السودان المعاصر، بزغ فجرٌ سياسي جديد، عبر إعلان تحالف السودان التأسيسي “تأسيس” عن تشكيل حكومة انتقالية تستند إلى الشرعية الشعبية والهدف الوطني، بعيدًا عن معادلات الهيمنة العسكرية أو الترضيات التقليدية.
لم تكن هذه الخطوة مجرّد إعلان سياسي عابر، بل تأسيسًا جادًّا وواعيًا لمسارٍ تحوّلي، ينقل البلاد من نفق الحرب إلى أفق السلام العادل والتحوّل الديمقراطي الحقيقي.
في طليعة هذه القيادة، يقف الفريق أول محمد حمدان دقلو، رئيس المجلس الرئاسي، بثقل حضوره الميداني وتاريخه السياسي، وبتحوّله اللافت من قائدٍ ميداني إلى حاملٍ لمشروع مدني ديمقراطي، مستجيبًا لنداءات الشعب، ومنفتحًا على آفاق جديدة للسودان. وإلى جانبه، يأتي القائد عبد العزيز آدم الحلو، نائب رئيس المجلس، بعقيدته الصلبة تجاه العدالة والمساواة، ورصيده النضالي في قضايا الهوية والمواطنة، ما يُضفي على هذا التشكيل طابعًا من التوازن والجدية والاتساق الأخلاقي.
أما تشكيل الحكومة، فقد أُسند إلى تحالف سياسي واسع، برئاسة الأستاذ محمد حسن التعايشي، السياسي الذي جمع بين عمق النظر وخبرة التفاوض، وبين النزاهة الشخصية والرؤية المتقدمة.
التعايشي، ومعه أركان حربه من الوزراء والمستشارين، يشكّلون فريقًا يبعث على الطمأنينة، إذ تضمّ الحكومة، بحسب علمنا، نخبةً من الكفاءات السياسية والعقول الواعية التي انخرطت في العمل العام من باب المسؤولية، لا من باب الغنيمة.
إن هذه الحكومة، التي تُعرف اختصارًا بـ”حكومة السلام”، ليست مجرّد تكتل سياسي جديد، بل تجسيدٌ للإرادة السودانية الحرّة، في تجلٍّ نادرٍ لوعيٍ تاريخيّ يرفض الخضوع للانقلابات، وينبذ التبعية، ويعيد الاعتبار لفكرة “السودان الممكن”. إنها حكومة التأسيس، حكومة المواطنين، حكومة الغد الذي تأخر كثيرًا.
وإنْ شكّك البعض في قدرتها على فرض واقع جديد في ظلّ التعقيدات الراهنة، فإنّ تشكيلها في حدّ ذاته يُعدّ خطوة عظيمة تعيد تعريف السياسة بوصفها فعلاً أخلاقيًا ووطنيًا. فالتحالف المؤسِّس لها ليس تحالف مصالح، بل تحالف قيم … قيم الثورة والسلام والعدالة، وهي القيم التي أُريقَت من أجلها دماء الشهداء، وتحمّل في سبيلها ملايين السودانيين صنوف النزوح والجوع والموت اليومي.
ختامًا، فإنّ السودان اليوم، مع هذه الحكومة، لا يراهن على الماضي، بل على المستقبل. وعلى الرغم من التحديات الجسيمة، فإنّ حكومة السلام تمثّل أفضل ما يمكن أن يقدّمه هذا البلد الجريح من عقلٍ وحكمةٍ وأمل. إنها بداية الطريق… لكنها بدايةٌ تبشّر بالكثير.
نأمل، وننتظر ذلك.




