
د. خالد تارس
للاسف تأجيل اجتماع الآلية الرباعية المعنية بالشأن السوداني، ولا يثير هذا التاجيل اي دهشة بقدر ما يثير الحزُن والأسى بين من ينتظرون ضوءاً في اخر النفق، ففي كل مرة تقترب فيها الكأس من الشفاه، تُسحب فجأة لتترك في النفوس مرارة الرجاء والخُذلان. فقد نقلت صحيفة الشرق الأوسط عن مصادر دبلوماسية أميركية خبر إلغاء الاجتماع المُرتقب للجنة الرباعية بشأن السودان دون أسباب واضحة تبرّر هذا التراجع، على الرغم من اكتمال التحضيرات اللازمة لهذا الاجتماع وبلوغ المشاورات مرحلة متقدمة من (الجدّية).. هذه الخطوة وإن بدت إجرائية المظهر إلا أن أثرها في وجدان السودانيين العالقين بين نار الحرب ونار الانتظار لا يمكن وصفة مطلقاً، حيث علق الكثيرون امالهم على المبادرة الأمريكية بإعتبارها طوق النجاة وآخر الحلول المطروحة والتي طال انتظرها كثيراً.
ان المبادرة الأميركية التي طُرحت وفق شروط قاسية لوقف التدخلات الأجنبية في السودان وتسهل عبور المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، كانت في نظر الكثيرين بارقة أمل في عتمة استمرّت عامين، وفي نظر البعض هي آخر الفرص لجرّ الأطراف المتنازعة إلى مائدة (تسوية).. تحفظ ما تبقّى من وطن مهتري، بل وتعيد للسودان وجدانه وروحه المختطفة، لكن يبدو أن بعض اللاعبين وبالاحرى دولة جارة ممن طالت أيديها خيوط النزاع لم تجد في هذه المبادرة ما يخدم مصالحها، أو ما ينسجم مع استراتيجياتها، فسعت الى هذا التاجيل كما صرح احدى سفراءها في واشنطن. بالاضافة إلى دول كقطر وتركيا التي لم تكن جزءاً من المشاورات الأميركية، حيث بدات تتحرك وفق حسابات معاكسه، وقد لا ترى في مساعي واشنطن سوى قيوداً على ادوارها الدعمية للاسلام السياسي في المنطقة، وبالتالي فإن تشكيلات الرباعية في نظرها ماهي إلا خرقاً لتوازنات هشة في منطقة مضطربة.
وهكذا يسير منوال اللعبة السياسية، وقد يصبح التأجيل أكثر من مجرّد قرار دبلوماسي بل هو إعلان صامت بأن الحرب لا تزال تحظى بمن يحميها ويدعمها، وأن السلام لا زال يتيماً لا يجد كفاً تحتضنه، و من يتابع الشأن السوداني عن كثب يدرك تماما ً أن النزاع الدائر حالياً ليس مجرد صراع على الأرض، بل هو ساحة مفتوحة لصراع المصالح والنفوذ، حيث يتم مقايضة دم الأبرياء من أهل السودان بمصالح استراتيجية عابرة للحدود، ووسط هذا (العبث).. يقف المواطن السوداني مرهقاً ومتعباً ومُحاطاً بخطابات الشفقة الدولية، ومحروماً من كل ما سُلب منه في هذه الحرب الخراب، والحق في وطن لا يُحكم بالبندقية.
إن تأجيل اجتماع الرباعية وإن كان قراراً من خارج الحدود إلا أن صداه بات يتردد عميقاً في قلب كل سوداني محبط يرى في المجتمع الدولي مرآةً مشوهة، لا تعكس إلا عجزها المزمن عن الفعل الحاسم في التصدي لقضايا الامن والسلم الدولي، فقد طالت ليالي الحزن في السودان وكثر الأسى، وآن لهذا الليل البئيس أن ينجلي، غير أن مؤشرات الجلاء القادمة من الدبلوماسية العالمية لا توحي ببزغ فجرٍ قريب، حيث كان من الأجدى أن نعيد طرح السؤال الأكثر إزعاجاً هل نحن فعلاً على عتبة حلول حاسمة ونهائية أم أننا لا نزال نحفر في الجدار بأظافر حافية نبحث فيها عن ضوءٍ لا يريد أن يأتي وشمس لاتريد ان تشرق.




