استيقظ مناوي بعد فوات الأوان: دارفور ليست ضمن أولويات دولة الجلابة!
د. فاطمة الزين الغالي- كليفورنيا

د. فاطمة الزين الغالي- كليفورنيا
في خضم المشهد السوداني المتفجر، خرج مني أركو مناوي بتصريحات جديدة تنضح بخيبة الأمل والمرارة، حين قال إن “هناك ناس كبار في الحكومة لا يرون أهمية لدارفور”، مشيرًا إلى فتور حماس قيادة الجيش بعد انسحاب قوات الدعم السريع من الخرطوم والجزيرة، وتموضعها في كردفان ودارفور. ولم يخفِ مناوي قلقه من تراخي الحكومة، خاصة في دعم الجبهة المتقدمة في الأبيض، حيث تعرضت القوات الموالية لبورتسودان والحركات العرقية المسلحة هزائم نكراء اخرها في ام صميمة وام سيالة، حيث تم تدمير متحركات كاملة.
ان ما قاله مناوي اليوم، وإن جاء متأخرًا، إلا أنه يمثل اعترافًا صريحًا بحقيقة قديمة حاول إنكارها طويلًا: إن مشروع الدولة المركزية في السودان لا يرى في دارفور وكردفان سوى أطراف ملحقة، لا تستحق الاستثمار السياسي أو العسكري إلا بقدر ما تدره من مكاسب آنية في ميزان الصراع على الخرطوم.
ورغم أن مناوي يحاول الضغط على حكومة بورتسودان للحصول على مزيد من الإمدادات العسكرية، إلا أن ما فات عليه ـ أو ربما تجاهله عن عمد ـ هو أن اللعبة قد تغيّرت. فبعد إعلان حكومة السلام والوحدة بقيادة تحالف “تأسيس”، لم تعد دارفور وكردفان مجرد أقاليم طرفية تطلب العون، بل أصبحت مراكز ثقل عسكري وسياسي، تسير بثقة نحو فرض واقع جديد على الأرض، يربك حسابات المركز، ويهدد بإعادة تعريف السلطة والثروة والنفوذ في السودان القديم.
كذلك، تشير مصادر موثوقة إلى أن الجلابة دوائر القرار في بورتسودان، بدأوا فعليا في تدارس خيار صادم يتمثل في التخلي عن دارفور وكردفان وطرح مشروع لفصلهما سياسيًا أو إداريًا، كحل نهائي يضمن بقاء ما تبقى من الدولة القديمة في الشمال والجزيرة. هذا المشروع، الذي يُتداول داخل أروقة الحكومة المؤقتة في بورتسودان، يرافقه مسعى محموم لعقد صفقة ثنائية مباشرة بين الجيش بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع، يتم بموجبها التضحية بالحركات المسلحة العرقية، وكذلك الإسلاميين، على حد سواء.
ولعل مناوي يعلم جيدًا أن ثمة وسطاء نقلوا بالفعل عروضًا من حكومة بورتسودان لقيادات بارزة في الدعم السريع، بهدف إبرام تسوية سرية تقصي الحركات المسلحة من مشهد الحكم، وتعيد رسم خريطة السلطة على أساس صفقة الأمر الواقع، لا على مبادئ الثورة ولا اتفاقات السلام التي وُقعت على الورق ثم دُفنت تحت ركام المدافع.
كما ان ما يزيد من تعقيد هذا السيناريو هو دخول المخابرات المصرية على الخط، في دعم واضح لخطة إقصاء الحركات المسلحة، عبر الضغط على الجيش السوداني للبحث عن تسوية ثنائية مع الدعم السريع دون المرور بتحالف “تأسيس” أو الجبهة المدنية الأوسع. وهذا – بحسب تقارير دبلوماسية – كان أحد الأسباب الرئيسة وراء انهيار محادثات “الرباعية” الأخيرة في واشنطن، والتي فشلت في التوصل إلى أي اختراق.
لقد خاضت الحركات المسلحة العرقية في دارفور هذه الحرب وهي تتوهم أن انحيازها للمركز سيمنحها نصيبًا أكبر في كعكة السلطة، لكنها – على ما يبدو – أضاعت البوصلة. ففي الوقت الذي انتزعت فيه قوات الدعم السريع اعترافًا ندّيًا من المجتمع الدولي كطرف رئيسي في الحرب، كانت الحركات المسلحة تخسر يومًا بعد يوم حواضنها الاجتماعية في دارفور، وتبتعد عن وجدان جماهيرها، وتُدفع تدريجيًا نحو هوامش بورتسودان، حيث لا نفوذ ولا تأثير، سوى ما تمنّ به بعض مراكز القوى كرشوة سياسية قصيرة الأجل.
ما لم تدركه هذه الحركات بعد، هو أن مهما بلغت خلافاتها مع الدعم السريع، فإن أبناء دارفور جميعًا، بمختلف انتماءاتهم، يجمعهم مصير مشترك، وواقع جغرافي وتاريخي لا يمكن تجاوزه. وكان الأحرى بمناوي ورفاقه أن يعملوا على تجسير الهوة مع القوى الفاعلة في الإقليم – ومن ضمنها الدعم السريع – بدلاً من الانجرار وراء وهم تقاسم السلطة مع قوى لا ترى في دارفور سوى خزان بشري للقتال والولاء المشروط.
ختامًا:
ربما تأخر مناوي كثيرًا في إدراك أن “الجلابة” الذين يحكمون من بورتسودان اليوم لا يرون في الوطن سوى الشمال والجزيرة، وأن مشروعهم لا يتسع لإقليم دارفور، ولا لحركاتها، ولا لأبنائها. وقد عبّر عن هذا صراحة الرجل العنصري المشوه عبدالرحمن عمسيب حين تحدث عن “دولة البحر والنهر ” كمشروع بديل لما تبقى من السودان.
تصريحات مناوي الأخيرة تكشف عن صدعٍ يتسع في جبهة حكومة بورتسودان، وتؤكد مجددًا أن ما يجري اليوم هو صراع على السودان بأكمله، وليس مجرد حرب بين الجيش وقوات الدعم السريع. ومن لا يدرك ذلك الآن، فسيُجبر على إدراكه لاحقًا… ولكن بعد فوات الأوان.




