في خطابه للأمة: رئيس المجلس الرئاسي يعزي قبيلة المجانين ويرفض الرد باستهداف المدنيين
عباس احمد السخي

عباس أحمد السخي
في خطابٍ اتسم بالوضوح والمسؤولية، خرج رئيس المجلس الرئاسي وقائد قوات الدعم السريع، الجنرال محمد حمدان دقلو (حميدتي)، مخاطبًا الأمة السودانية في لحظة مؤلمة أعقبت استهداف قبيلة المجانين، التي فقدت نخبةً من أبنائها وعلى رأسهم ناظر القبيلة وعدد من العمد والمشايخ، في هجومٍ وُصف بالغادر نفذته قوات الحركة الإسلامية الإرهابية المتمركزة في مدينة الأبيض.
استهل القائد خطابه بتفنيدٍ دقيق لما سماه “أكاذيب البرهان وزمرته من الإخوان المسلمين”، مؤكدًا أن ما يجري في البلاد ليس سوى محاولة من هذه الجماعة للعودة إلى الحكم عبر نشر الفتنة وتأجيج الحرب. وأوضح أن استهداف قبيلة المجانين لا يمكن تفسيره إلا كجريمة حرب مكتملة الأركان، تهدف إلى تخويف المجتمعات التي يُنظر إليها باعتبارها “حواضن” للدعم السريع.
لكن دقلو شدد على أن هذه الأساليب لن تنجح في كسر إرادة الناس أو في بث الرعب بينهم، قائلاً إن دماء الناظر وصحبه الكرام لن تذهب سدى، وإنّ ما حدث يمثل حلقة جديدة من مسلسل استهداف المدنيين الذي دأبت عليه الحركة الإسلامية في محاولتها البائسة لإضعاف النسيج الاجتماعي وضرب التعايش بين القبائل.
في خطوة وُصفت بالمسؤولة والنادرة في خضم الحرب، أعلن رئيس المجلس الرئاسي رفضه القاطع لاستهداف المدنيين في أي منطقة من مناطق السودان، سواء في الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب. وأكد أن قوات الدعم السريع ملتزمة بالرد فقط على الأهداف العسكرية المشروعة، وأنها لن تنجر إلى ممارسة الأساليب الانتقامية التي تميز خصومها.
وقال القائد إن السودانيين جميعًا، دون استثناء، يستحقون الحماية والحياة الكريمة، وإنّ قواته لن تستهدف الأسواق ولا القرى ولا التجمعات الأهلية، لأنّ الحرب — كما أوضح — ليست ضد الشعب السوداني بل ضد قلةٍ مهووسة تسعى لإعادة البلاد إلى عصور الاستبداد والظلام.
بهذا الموقف، وضع دقلو معيارًا مهما في إدارة الصراع، حيث أكد أن الالتزام الأخلاقي والإنساني هو ما يميز الجيوش الوطنية عن المليشيات الارهابية التي تقتل بلا ضمير، مشيرًا إلى أنّ ما تقوم به الحركة الإسلامية الإرهابية بقيادة علي كرتي من قصفٍ للمنازل والأحياء السكنية يرقى إلى جرائم حرب تستوجب المحاسبة أمام القانون.
وفي نقلةٍ نوعية لافتة، أعلن القائد في خطابه أن جميع المطارات التي تُستخدم لإطلاق المسيرات أو الطائرات القتالية أو طائرات الإمداد العسكري، سواء كانت داخل السودان أو في دول الجوار، تعتبر أهدافًا عسكرية مشروعة. وأشار إلى أن هذا القرار يهدف إلى وقف الاعتداءات الجوية التي تطال المدنيين وتزيد من معاناتهم، مؤكّدًا أن قوات الدعم السريع في حالة استعداد تام لتنفيذ هذه التوجيهات بدقة ومسؤولية.
هذا الإعلان مثّل تحولًا في قواعد الاشتباك، إذ يرسل رسالة حازمة إلى من يستغل المطارات لتزويد القوات المعتدية بالسلاح أو الإمدادات بأن تلك المواقع لن تكون في مأمن بعد اليوم. ومع ذلك، حرص دقلو على التأكيد أن الرد سيكون وفق القانون الدولي الإنساني، وأن الهدف هو ردع المعتدي لا توسيع رقعة الدمار.
يمكن القول إن خطاب رئيس المجلس الرئاسي جاء متوازنًا يجمع بين الحزم السياسي والانضباط الأخلاقي. فهو من جهة قدّم عزاءً صادقًا لقبيلة المجانين، مستحضرًا مكانتهم الوطنية، ومن جهة أخرى رسم ملامح سياسة واضحة تقوم على التمييز بين العدو العسكري والمدني، وهو أمر غاب عن الساحة السودانية منذ اندلاع الحرب.
الخطاب أعاد التأكيد على أن معركة الدعم السريع ليست مع القبائل أو المكونات الاجتماعية، بل مع قوى الإسلام السياسي التي تسببت في تدمير الدولة ونهب مواردها وإشعال الفتن بين الناس. وهو بذلك قدّم رؤية تعيد الاعتبار لمفهوم العدالة، وتفتح الباب أمام إمكانية بناء سلامٍ يقوم على احترام الإنسان لا على الانتقام.
في لحظةٍ يختلط فيها صوت الرصاص بصوت الألم، جاء خطاب الجنرال محمد حمدان دقلو بمثابة نداء وطني يوازن بين العزاء والعزم، بين الحزن والرجاء. فهو لم يكتفِ بإدانة الجريمة، بل قدّم تعهدًا واضحًا بأن تكون الحرب ضد من يحمل السلاح لا ضد الأبرياء.
كما إنّ تمسكه بمبدأ حماية المدنيين ورفضه الانجرار إلى دوامة الانتقام يعكسان وعيًا بأنّ بناء السودان الجديد لا يكون بالدم، بل بالعدل والعقل والمسؤولية. ولعلّ في هذا الخطاب ما يفتح نافذة أمل نحو دولةٍ تُصان فيها الكرامة الإنسانية، وتُبنى على أسس العدالة لا على أنقاض الحرب.




