
عباس احمد السخي
في البلدان التي تحترم قيمة الإنسان وتحاسب المسؤول قبل العامل، تُعد المشروعات القومية العملاقة رمزًا للنهضة، لا ميدانًا للفساد وسوء الإدارة. ولكن في السودان، وفي قلب مشروع كنانة، الذي كان يومًا مفخرة وطنية في صناعة السكر، تتجسد اليوم مأساة الانهيار التدريجي والتفكك المؤسسي، بقيادة من لا يستحقون حتى لقب “إدارة”.
كنانة: مشروع يحتضر… ومدير يمارس الفاسد على رؤوس الاشها!
في لحظة فارقة من تاريخ الشركة، حيث الأنفاس الأخيرة تُلفظ، لم نسمع من عبدالرؤوف ـ المدير التنفيذي ـ اعترافًا بالمسؤولية، ولا حتى خطاب أزمة أو مبادرة إنقاذ، بل خرج على العاملين بقرارات تعسفية تكشف مدى انفصاله عن الواقع، داعيًا لتسريح 20% من العمال! أي منطق أعوج هذا الذي يحمّل الضحية وزر الجريمة؟! ذلك العامل، الذي لم يتلقَ راتبه لشهور، والذي يحمل وحده نفقات علاجه، ويكدّ في الحقول بلا معين ولا أجر، أصبح فجأة المتهم الأول، لا أول من يجب إنصافه. وبينما يقبع الآلاف من الأسر في دوامة الخوف من فقدان مصدر رزقهم الوحيد، يتخذ عبدالرؤوف قراراته من خلف المكاتب المكيفة، في راحة تامة، وبلا شعور حقيقي بحجم الجريمة الإدارية التي تُرتكب بحق هذا المشروع القومي.
أسئلة الشارع لا تغيب:
أين كانت الإدارة حين تراكمت الديون؟
من أذن بجلب الخبراء الأجانب بعقود خرافية؟
من موّل سفريات لا علاقة لها لا بكنانة ولا بالسكر؟
من يتستر على مافيا العقود والتعيينات والامتيازات الباذخة؟ الإجابة واحدة لا ثانية لها: الإدارة الحالية التي يمثلها عبدالرؤوف، هي من أطلقت رصاصة الرحمة على جسد كنانة المنهك، وهي من تمادت في استنزافه حتى آخر قطرة دم اقتصادية.
بيع السكر بالخسارة: فساد معلن دون خوف من القانون أو المحاسبة!
في ممارسات تفتقر لأدنى درجات المهنية، بقوم عبدالرؤوف بعقد صفقات بيع سكر (غيابيا)بأسعار متدنية لا تصل حتى إلى 50% من القيمة السوقية، مما يؤكد شبهة الفساد المؤسسي المتجذر. هذه ليست قرارات اقتصادية، بل عمليات تصفية غيابية، تصب في جيوب مجهولة وتزيد من أوجاع الاقتصاد الوطني. فما معنى أن يُباع السكر السوداني، المنتج في أرضنا، بسعر أقل من نصف قيمته بل وقبل اكتمال عملية إنتاجه ؟ ومن المستفيد الحقيقي من هذا الهدر والفساد المنظم؟ كل الطرق تقود إلى عبدالرؤوف، وإدارته التي لم تتوقف لحظة عن تحويل المشروع إلى مغنم شخصي لا أكثر.
التدريب الدولي: فرصة للنهب لا للتطوير
من مهازل عبدالرؤوف أيضًا، اختياره لنفسه ـ دون خجل ـ لحضور دورة تدريبية ممولة من جهة دولية في مجال ري المشروعات الكبرى. الغريب أن الدورة كانت مخصصة في الأصل لفنيي وإداريي الري، ولكن عبدالرؤوف اغتصبها لنفسه فقط لأنها تمنحه “ألفي دولار” كمصاريف حضور! لم يهتم الرجل الفاسد بفائدة الدورة للمشروع، ولا بضرورة تطوير كفاءة إداراته المتخصصة، بل تصرف كمن يسعى لجمع الغنائم لا للارتقاء بمؤسسة وطنية.
فساد يهدد الأمن الاقتصادي والاجتماعي للبلاد
إن وجود شخصية مثل عبدالرؤوف على رأس مشروع ككنانة لا يهدد فقط مستقبل صناعة السكر، بل ينسف الثقة في جدوى المشاريع القومية، ويزرع الإحباط في قلوب آلاف العاملين، ويمثل رصاصة في قلب الاقتصاد السوداني المنهك أصلًا.
كما ان الفساد الإداري حين يتحول إلى قاعدة لا استثناء، يفقد الشعب ثقته في الدولة، وتفقد الدولة قدرتها على البناء.
ان ما يحدث في كنانة اليوم ليس مجرد إخفاق إداري، بل جريمة في حق المجتمع، والمشروع، والبلد كله. وليس أخطر من الفساد إلا التستر عليه، أو الصمت أمامه.
نداء للمحاسبة قبل فوات الأوان
إننا ومن هذا المنطلق نوجه نداءً عاجلًا لكل الجهات الرقابية، والكوادر الوطنية، والمهتمين بالشأن العام، بأن يرفعوا الصوت عاليًا ضد هذا العبث، وأن يطالبوا بالتحقيق والمحاسبة، قبل أن تنهار كنانة بالكامل وتلحق بركب المشاريع التي التهمها الفساد. كما إن التهاون في مواجهة الفاسدين هو ما أوصلنا إلى هذا الدرك من الانهيار. وعبدالرؤوف اليوم ليس مجرد شخص فاسد؛ بل رمز لمنظومة يجب اجتثاثها من الجذور. فهل ننتظر حتى تُعلن كنانة إفلاسها رسميًا؟
أم نتحرك لإنقاذ ما تبقى؟
اللهم الا هل بلغت، والله المستعان.




