
عبد الرحمن الكلس
عاد كامل إدريس من القاهرة خائبًا بائسًا كما غادر، لا جديد سوى المزيد من البؤس والفضائح.
عاد بنفس ملامحه الثابتة، الباهتة التي لا تتغير لا فرحًا ولا حزنًا! وهل تتغير ملامح الدمية؟
عاد ليبشرنا، بوجه يملؤه الغبطة الزائفة، قائلاً: *لا يوجد سوداني واحد في السجون المصرية!*
وكأننا كنا جميعًا نعيش في سرابٍ، وكأن آلاف القصص والصور والفيديوهات التي تتسرب من أقسام الشرطة المصرية وحراساتها القذرة ليست إلا من نسج الخيال!
يا أيها الناقص إلا اسماً، لم يكن تصريحك مجرد خطأ عابر، بل هو جريمة سياسية بامتياز.
إنها شهادة زور تُبرئ دولة تستبيح كرامة السودانيين يوميًا، وتتنصل من مسؤوليتها أمام العالم.
كل من يعرف القاهرة أو الإسكندرية أو أسوان، أو أي مدينة مصرية، يعلم يقينًا أن السجون تضيق بالسودانيين.
ليسوا مجرمين، ولا قتلة، ولا تجار مخدرات، بل أناس بسطاء تحطمت حياتهم على صخور بيروقراطية قاسية: إقامة لا تُجدد إلا بالمعاناة والرشاوى، وبطاقات لا تُحدّث إلا بانتظار مذل، وتعليمات تُغير بين ليلة وضحاها لتصطادهم الشرطة في الشوارع والمنازل!
رجال يُساقون مكبلين، نساء يجرجرن أطفالهن نحو المجهول، شباب يقضون أسابيع في زنازين مكتظة، ينتظرون ترحيلًا لا يأتي أو معجزة لا تولد.
يقضون لياليهم بجوار مجرمين حقيقيين، في ظروف تكفي لإهانة أمة كاملة!
لكن أنت، يا دمية البرهان، وعِرة الرجال، ورئيس وزراء الغفلة في اللا حكومة واللا دولة، اخترت أن تردد الرواية التي يحب مضيفوك سماعها، ورددت ما أرادوا لك أن تردده!
قضيت وقتك في العبث وزيارة مقاهي العهر والخنث، وحفلات الختان والزفاف، لتعود إلينا مبشرًا بفراغ السجون!
الناس لم يضحكوا من تصريحك، بل ازدرَوك واحتقروك، لأنك لم تكن مجرد غافل، بل كنت شريكًا وعميلاً تافهًا تسترّت على مأساة شعبك.
جئت لتبيع الوهم بلسان من يفترض أنهم صوتهم، ولكنك لم تحمِهم، بل سلّمتهم بسكوتك وتلميعك لجلادهم.
في زمن الهواتف الذكية، لا مكان للكذب الرخيص. صورة واحدة من داخل حجز في إمبابة، أو فيصل، أو عين شمس، أو شهادة صوتية من لاجئ مفرج عنه، تهدم كل ما قلته على أي منبر. والحقيقة أسرع من تصريحاتك، وأقوى من لغة جسدك الخنثى!
تذكّر، أيها المنكسر المكسور، أن منصب رئيس الوزراء الذي تنتحله ليس وظيفة بروتوكولية لتوزيع الابتسامات، ولا منبرًا لترديد كلمات الآخرين، بل موقع يُفترض أن يحمل هموم الشعب، ويقول كلمته بجرأة، حتى لو أغضبت مضيفيه.
هل تتذكر ما قاله لهم رئيس وزراء الثورة الشرعي، الرجل الشجاع المحترم الدكتور عبد الله حمدوك، في عقر دارهم، وفي قلب مؤسستهم الاستخبارية؟
نعلم أنك لا تملك الشجاعة، ولا الوطنية، ولا الرجولة لقول ما قاله… لكن كان بإمكانك أن تصمت؛ فالصمت، في لحظات كهذه، أرحم بكثير من هذا الانكسار الدنيء… لكنه يليق بك.
في المرات القادمة، لو كان ثمة مرة أخرى، قبل أن تزور أي بلد، حاول أن تزور الحقيقة أولًا.
فالحقيقة لا تحتاج إلى إذن دخول، لكنها تحتاج إلى شجاعة ووطنية وضمير حي، *وهذا ما تفتقده*.




