رأي

حين يُقارن علي الكنزي بين الثورة والانقلاب

السفير عادل إبراهيم مصطفى

السفير عادل إبراهيم مصطفى

أورد موقع مدنية نيوز 70 مقالًا للسيد علي يسن الكنزي ردًّا على مقال لمولانا سيف الدولة حمدنا الله، قارن فيه بين الدكتور عبد الله حمدوك والدكتور كامل إدريس.

حين بدأتُ قراءة مقال السيد الكنزي، ظننتُ للوهلة الأولى أنه بصدد تقديم مقارنة مهنية منصفة بين حمدوك وإدريس. لكنني سرعان ما أدركت أنه كتبه بدافع الدفاع المتحمس عن كامل إدريس، دفاع المشجع المتعصب، فجاء مقاله قائمًا على الانتقاء وتحريف الوقائع، وبناء استنتاجات مسبقة تخدم غرضًا سياسيًا واضحًا. وفيما يلي أبرز ما ورد في مقاله من تناقضات:

1️⃣ حول وصف مقال سيف الدولة بـ”الشاذ”

يصف الكنزي مقال مولانا سيف الدولة حول المقارنة بين حمدوك وكامل إدريس بأنه “شاذ عن نهجه المعهود”، وفي الوقت نفسه يثني عليه ويصف مقالاته بأنها تتسم بـ”المنطق والتحليل الواقعي”. وهذا تناقض واضح: كيف يمكن لكاتب يعترف بأن سيف الدولة يعتمد الحقائق والوقائع أن يصف ما كتبه بالشاذ لمجرد أنه لم يوافق هواه في المقارنة بين شخصين؟! الحقيقة أن الشذوذ هنا يكمن في مقال الكنزي نفسه، الذي حاول إقحام المقارنة في سياق سياسي منحاز.

2️⃣ حول ظروف المجيء إلى رئاسة الوزراء

يقول الكنزي إن حمدوك جاء في ظل “دعم دولي غير مسبوق”، بينما جاء كامل إدريس في ظل “انشغال المجتمع الدولي بأزمات أخرى”. هذا تبسيط مُخلّ، بل تضليل، يحاول من خلاله تبرير عزلة كامل إدريس بأنها نتيجة “انشغال العالم بحروب وأزمات أخرى”.

لكن الحقيقة أن العزلة كانت لأن الرجل أتى على ظهر دبابة البرهان وسلطته الانقلابية التي فقدت الدعم الإقليمي والدولي منذ يومها الأول، لا لأن المجتمع الدولي كان مشغولًا بأزمات أخرى.

أما حمدوك، فقد جاء عبر شرعية ثورية دعمها الشارع والمجتمعان الإقليمي والدولي، وهذا ما جلب الدعم الاقتصادي والسياسي، لا “الصدفة الكونية” التي يحاول الكنزي إقناعنا بها.

3️⃣ حول منصب حمدوك في الأمم المتحدة

يقول الكنزي: “تم تعيين حمدوك نائب رئيس قسم بقرار إداري من مدير شؤون الأفراد”، وكأن الأمر مجرد ترقية في شركة صغيرة. والحقيقة أن حمدوك تولى منصب الأمين التنفيذي بالإنابة للجنة الاقتصادية لأفريقيا (ECA)، بقرار من الأمين العام للأمم المتحدة، بعد مغادرة الأمين التنفيذي السابق، وهو منصب أعلى بكثير من مجرد “نائب رئيس قسم”.

كما أن حمدوك خرج من الأمم المتحدة مرفوع الرأس، ولم يُجبر على الاستقالة إثر لجنة تحقيق، كما حدث مع آخرين يعرفهم الكنزي جيدًا.

4️⃣ حول الجنسية والانتماء الوطني

يقول الكنزي إن حمدوك “أخذ الجنسية البريطانية”، بينما كامل إدريس “احتفظ بالسودانية وحدها”. وكأن الجنسية المزدوجة تنتقص من الوطنية! الانتماء الوطني يُقاس بالمواقف والعمل من أجل الوطن، لا بنوع جواز السفر.

حمدوك عاد من منصب دولي مريح ليقود حكومة ذات شرعية ثورية، بينما قبل كامل إدريس أن يأتي عبر انقلاب عسكري ضد ثورة شعبية مجيدة، هدفه إعادة إنتاج نظام المؤتمر الوطني الذي أسقطه الشعب.

5️⃣ حول الإنجازات

يحاول الكنزي تصوير حمدوك كشخص محدود الخبرة الإدارية، متجاهلًا دوره الإقليمي كخبير في الحوكمة والتنمية الاقتصادية، وعمله مستشارًا لبرامج إصلاح اقتصادي في عدة دول أفريقية، ونجاحه في إعادة السودان إلى المجتمع الدولي، وفتح مسار إعفاء الديون، ورفع بعض العقوبات.

أما سيرة كامل إدريس في المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)، فلا يمكن فصلها عن ملابسات استقالته المبكرة والتحقيقات التي أجريت معه، وهي حقائق موثقة لا تمحوها المجاملات أو الحنين.

6️⃣ حول معايير التعيين

طالما فتح الكنزي باب “من عيَّن من؟”، فالسؤال مشروع: كيف وصل هو نفسه إلى منصب مدير عام الشؤون الإدارية والمالية في الويبو خلال عهد كامل إدريس؟ هل كان ذلك عبر منافسة علنية وشفافة، أم باختيار مباشر من المدير العام؟

الخلاصة

مقال الكنزي ليس مقارنة مهنية، بل دفاع سياسي عن شخص جاء عبر انقلاب عسكري. الحقيقة أن المقارنة بين حمدوك وكامل إدريس لا تحتاج إلى كثير جدل: الأول جاء بشرعية الثورة، وأنجز في ظروف بالغة الصعوبة، وحافظ على سمعته المهنية نظيفة، بينما الثاني جاء عبر انقلاب عسكري أعاد السودان إلى العزلة الخانقة وأسهم في إشعال الحرب المدمرة.

باختصار، أي متابع موضوعي سيدرك أن الكفة تميل بوضوح لصالح عبد الله حمدوك من حيث الشرعية والنزاهة والإنجازات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!