
نجم الدين دريسه
على مدار عقود، شكّلت العلاقة بين السودان ودولة الإمارات العربية المتحدة نموذجًا فريدًا في الإخاء والتعاون العربي–الأفريقي. فهي علاقة تجاوزت حدود البروتوكولات الرسمية لتترسخ في وجدان الشعبين، عبر مواقف إنسانية وسياسية وتنموية جسدت روح التضامن الحقيقي. إلا أن هذه الروابط التاريخية، التي تميزت بالثبات حتى في أشد الظروف، باتت اليوم هدفًا لحملات منظمة تقودها جماعات الهوس الديني، وعلى رأسها بقايا تنظيم الإخوان المسلمين وأذرعهم السياسية في بورتسودان. هذه الجماعات، التي أحرجها نجاح الإمارات في أن تصبح لاعبًا محوريًا على الساحة العالمية، تحاول منذ سنوات دق إسفين بين الخرطوم وأبوظبي. فالإمارات، برؤيتها الاستراتيجية ومبادراتها الخلاقة، حجزت لنفسها مكانة بين الدول الرائدة، وأصبحت عاصمة عالمية تحتضن أكثر من 200 جنسية في إطار من التعايش السلمي والازدهار الاقتصادي. هذا النجاح، بدل أن يكون مصدر إلهام لهؤلاء، تحول في عقولهم الضيقة إلى هدف للحسد والتشويه.
الحملات الإعلامية المأجورة التي تستهدف الإمارات لم تأتِ من فراغ، بل من أروقة مجموعات تعادي كل ما هو عقلاني وحديث، وتعيش على خطاب المؤامرة والكراهية. لكن التاريخ القريب يشهد بأن الإمارات لم تتوانَ يومًا عن الوقوف إلى جانب السودان في الأزمات الكبرى، ففي الكوارث الطبيعية سارعت لإرسال المساعدات من الغذاء إلى الإمدادات الطبية دون شروط أو حسابات سياسية، وفي التنمية أسهمت بسخاء في دعم قطاعات الزراعة والصحة والتعليم، وموّلت مشروعات حيوية تعود بالنفع المباشر على المواطن السوداني، وفي الأزمة الراهنة فتحت أبوابها لمئات الآلاف من السودانيين الفارين من جحيم الحرب ومنحتهم إقامة إنسانية خاصة تعرف بـ”إقامة الكوارث” لتوفر لهم الأمان والاستقرار في أصعب لحظات حياتهم، كما لم تكتفِ بالدعم داخل حدودها بل مدّت يد العون للاجئين السودانيين في تشاد ويوغندا وجنوب السودان.
ورغم هذه المواقف النبيلة، لم تتوقف سلطة بورتسودان الخاضعة لسيطرة الإخوان عن التحرش السياسي والإعلامي بالإمارات، فقد تقدمت هذه السلطة غير الشرعية بشكاوى واتهامات باطلة، وسمحت لقياداتها باستخدام لغة مسيئة في حق دولة صديقة، في محاولة مكشوفة لخلق أزمة دبلوماسية تخدم أجنداتها الضيقة. هذه السلوكيات لم تدفع الإمارات إلى الانجرار وراء الاستفزاز، لكنها دفعتها إلى اتخاذ تدابير لحماية مصالحها وردع الشر المستطير الذي تنشره هذه المجموعات، وعندما جاءت هذه الخطوات علت أصوات البكاء والشكوى من بورتسودان في مشهد يعكس حالة الارتباك التي تعيشها سلطة مغتصبة فاقدة للرشد والحكمة.
الحقيقة أن استهداف الإمارات ليس إلا انعكاسًا لحقد أيديولوجي دفين، فهذه الدولة تمثل نقيضًا تامًا لمشروع تلك الجماعات، فهي تقوم على الانفتاح والتعددية واحترام القانون، بينما هم يعتاشون على الانغلاق الأيديولوجي وخلق الأزمات وإشاعة الفوضى، وهي تبني الجسور مع العالم، وهم يحرقون ما تبقى من روابط مع الأشقاء والأصدقاء. ولن تغيّر حملات التشويه المأجورة من حقيقة أن الإمارات ستظل واحدة من أقرب وأصدق الحلفاء للشعب السوداني، فالتاريخ والذاكرة الجمعية للسودانيين يحفظان مواقفها النبيلة، وهي رصيد لا تستطيع جماعات الهوس الديني ولا سلطتهم المرتبكة في بورتسودان أن تمحوه أو تشوّهه، لأن العلاقة بين الشعوب أعمق من ألاعيب السياسة وأقوى من أن تهزها خطابات الحقد والكراهية.




