رأي

السماية!!

منال علي محمود

منال علي محمود

manal002002@gmail.com
في المجتمع السوداني، (السماية) هي احتفال بريء يجتمع فيه الأهل والجيران لإعلان اسم المولود ببهجة، مع بخور يتصاعد وزغاريد تتعالى وحلوى توزع على الحاضرين.
أما في السياسة، فقد تحولت السماية إلى طقس مهيب، يتصاعد فيه دخان الشعارات بدل البخور، وتعلو فيه أناشيد الحماسة بدل الزغاريد، وتوزع فيه المناصب بدل الحلوى. والنتيجة، من يطلق الاسم يحتكر المعنى، ويمنح نفسه حق الوصاية على الدين.

لم تبدأ هذه الحكاية في الخرطوم، بل تعود جذورها إلى مصر في بدايات القرن العشرين. حسن البنا، ابن الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا، كان إمامًا وشيخ طريقة، لكنه أيضاً أدرك مبكرا كيف يدمج الدعوة بالسياسة. في عام 1928 أسس جماعة الإخوان المسلمين، وبذلك بدأ مشروع ربط الدين بمخطط سياسي لا يقوم فقط على النصوص، بل على قوة التنظيم، جمع الموارد، وبناء شبكة ولاء محكمة من القاعدة إلى القمة.

هذه المدرسة الفكرية والتنظيمية عبرت سريعا حدود مصر إلى السودان، فوجدت من يتبناها في شكل الجبهة القومية الإسلامية. لم تكن الجبهة سوى الامتداد السوداني للإخوان، لكن مع بهارات محلية، مناورات سياسية، صراعات على المناصب، وتحالفات براغماتية مع أي طرف يضمن البقاء في السلطة. رفعت شعارات مثل (هي لله) لكن ما بين السطور كان المعنى مختلفًا تمامًا)

(ثم جاءت لحظة المفاصلة في عام 1999، المشهد الأكثر درامية في المسرحية الطويلة. الإخوة في الله أصبحوا أعداء في الحكم. لم يكن الدين هو سبب الخلاف، بل السلطة والنفوذ والثروة. انقسم المشهد بين الترابي من جهة، والبشير من جهة أخرى، والشعب السوداني كان يشاهد المسلسل بلا نهاية سعيدة)

(وفي برنامج شاهد على العصر، فتح حسن الترابي الصندوق الأسود، وقدم شهادات صادمة عن تلاميذه في السلطة، واصفًا بعضهم بأوصاف تثير التساؤل، إذا كان هؤلاء هم النخبة المؤمنة الطاهرة، فكيف يكون الفاسدون إذن؟ لقد اعترف صراحة بأن اللعبة كانت سياسية في المقام الأول، وأن الدين كان مجرد واجهة لإقناع الجماهير)

(ومن أقوال الترابي في شهاداته، لقد (انتشر الفساد في مفاصل الدولة تحت سمعي وبصري وعجزي)، وأن السلطة (فتنت أعضاء جماعته، وانساقوا خلفها لأنهم منذ البداية كانوا يجهلون أن السلطة يمكن أن تفتن من تربى وتزكى في حركة دينية عشرات السنين).

وقال أيضاً،(نكاد نشفق على سمعة السودان الذي أصبح من أبشع الصور في العالم، نعيش في حدود دنيا للعدالة، خربوا علينا سمعة الإسلام. ظنناهم دعاة ذات يوم، لكنهم أصبحوا أكثر من ينفر عن الإسلام. أقاموا فينا أفسد الدول وأكثرها سفكًا للدماء).

وعندما تحدّث عن مشروع الدولة الإسلامية التي لم تُنجز، قال بمرارة، (السلطة والمال أفسدت أبناء الحركة الإسلامية).

واليوم، بعد عقود من سماية الإسلام السياسي، النتيجة واضحة: دولة منهكة، شعب مشتت، وقيادات تواصل بيع الوهم باسم الدين. وإذا كانت السماية أو إطلاق الاسم تكفي لمنح الشرعية لاحتكار الإسلام، فالحل بسيط، لماذا لا نقيم حفلات (سماية) جديدة، فنطلق على أحزابنا أسماء مثل حزب المؤتمر السوداني الإسلامي، أو حزب الأمة الإسلامية القومي، أو حتى الحزب الشيوعي الإسلامي السوداني؟

وبعد السماية الجديدة للأحزاب، يمكن تشييخ وتأمير منسوبي الحزب كلّ حسب موقعه القيادي، ليكتمل المشهد وتصبح السياسة أقرب إلى طقس بيعة دينية منها إلى منافسة وطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!