
هاشم طيار
ربما ما نشاهده ونسمعه اليوم من تصاعدٍ للعنصرية وخطابات الإقصاء في السودان هو نتيجة مباشرة لفشل الدولة منذ الاستقلال في حسم سؤال الهوية الوطنية. ففي لحظات التحولات الكبرى، تسقط كثير من المسلمات القديمة، وتُعاد مساءلة القضايا التي ظلت لعقود تُقدَّم كحقائق نهائية، وعلى رأسها سؤال: من نحن؟ هل نحن عرب أم أفارقة؟ وهل تُبنى الدولة على هوية أحادية أم على الاعتراف بتعددها الحقيقي؟
أزمة السودان لم تكن يومًا في التنوع نفسه، بل في طريقة إدارة هذا التنوع، وفي إصرار بعض النخب على فرض هوية واحدة تُقصي الآخرين، وربط الانتماء العربي المزعوم بالنقاء العرقي أو الأحقية في السلطة والامتياز، بل وادعاء البعض الانتساب الحصري إلى العروبة أو إلى بيت النبي الكريم ﷺ باعتباره مصدرًا للتفوق الاجتماعي والسياسي.
هذا الخطاب لم يصنع وحدة وطنية، بل عمّق التهميش والانقسام، ورسّخ شعورًا واسعًا بالإقصاء، وكأن الوطنية تُقاس بالنسب لا بالمواطنة. والحقيقة أن السودان ليس بحاجة إلى إثبات من هو “الأكثر عروبة” أو “الأكثر أصالة”، لأن هذا الوهم نفسه هو أحد جذور الأزمة.
السودان بلد تشكل عبر قرون من التداخل بين المكونات الأفريقية والعربية والنوبية والبجاوية والفوراوية وغيرها من الهويات التي صنعت الوطن معًا. لا أحد يملك السودان وحده، ولا جماعة تحتكر تعريفه.
إن الادعاء بالنقاء العرقي والتفوق النسبي ليس فقط وهمًا تاريخيًا، بل خطر سياسي وأخلاقي قاد إلى الحروب والتمييز والانفصال والانهيار الوطني. وقد أثبتت التجربة أن بناء الدولة على أساس الامتياز الإثني أو القبلي لا ينتج سوى مزيد من العنف والانقسام.
لقد آن الأوان لاتخاذ قرارات حاسمة تعيد تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة: دولة المواطنة المتساوية، والعدالة، والمحاسبة التاريخية، بعيدًا عن الهيمنة الثقافية والسياسية للمركز القابض. إن تبني نظام علماني يضمن حياد الدولة تجاه جميع المواطنين، إلى جانب فدرالية حقيقية تنقل السلطة والثروة إلى الأقاليم، يمثلان ضمانة أساسية لبناء وطن عادل ومستقر.
السودان الجديد لا يحتاج إلى سادة ورعايا، بل إلى مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، تُبنى هويتهم الوطنية على العدالة والشراكة والاعتراف المتبادل، لا على أوهام التفوق واحتكار الوطنية




