
في عالم اليوم ، حيث تُرفع شعارات الشفافية والديمقراطية وحقوق الإنسان ، ما زالت الكلمة الحرة تُحاكم ، أمام النيابات وأقسام الشرطة . قضية الدكتور الوليد آدم مادبو هي جزء من سلسلة طويلة لمحاولات إخضاع القلم لمنطق السلطة ، وتحويل النقد العام إلى جريمة شخصية .
حرية التعبير هي الحق الذي يحرس كل الحقوق الأخرى ، وهي لا تقتصر على إبداء الرأي الشخصي ، بل تشمل نقد الشخصيات العامة عندما يكون سلوكها أو دورها متصلًا بالشأن العام . فالمسؤول أو الدبلوماسي أو السياسي ، بمجرد قبوله منصبًا عامًا ، يصبح فعله وأسلوبه ومواقفه جزءًا من النقاش العام المشروع .
القوانين الدولية ، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في مادته التاسعة عشرة ، تؤكد أن حرية التعبير تشمل البحث عن المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها بأي وسيلة ، كما توضح أن الشخصيات العامة ، بحكم تأثيرها على حياة الناس ، يجب أن تتحمل قدرًا أكبر من النقد .
لكن المقلق في الدعوى المرفوعة ضد د . مادبو أنها تعكس عقلية سياسية ترى في النقد تهديدًا ، وفي الكلمة الصادقة جريمة ، وبدلًا من الرد بالحجة أو النقاش العلني يُستدعى الكاتب إلى أروقة المحاكم ، وكأن العدالة تحولت إلى أداة لتصفية الحساب الفكري .
هذا النهج لا يضر الكاتب وحده ، بل يوجه رسالة تخويف لكل من يجرؤ على طرح الأسئلة الصعبة ، وعندما يخاف المجتمع من السؤال ، تتضخم الأخطاء وتستفحل الأزمات ، لأن السلطة تفقد أهم آلية رقابة شعبية ، وهي النقد الحر .
القضية هنا لا تتعلق بالاتفاق أو الاختلاف مع مضمون مقالات “ثلاثية قرناص”، وإنما بمبدأ أعمق . هل يحق للكاتب والمفكر أن يربط بين ظاهرة سياسية وشخصية عامة ، ويحللها في إطارها البنيوي ، دون أن يتعرض للتجريم ؟ في الدول التي تحترم القانون ، الإجابة واضحة : نعم، يحق له .
أي مساس بهذا الحق يفتح الباب لتجريم أي رأي أو مقال أو بحث أكاديمي ، ويجعل حرية التعبير امتيازًا تمنحه السلطة لمن تشاء وتسلبه ممن تشاء .
من واجب كل مؤمن بحرية الكلمة أن يرى في هذه القضية اختبارًا لصلابة هذا الحق . فالدفاع عن حرية التعبير ليس دفاعًا عن شخص أو مقال بعينه ، وإنما عن مبدأ يحمي الجميع . علينا أن نحول هذه اللحظة من مواجهة قضائية إلى نقاش وطني أوسع حول دور النقد في بناء دولة عادلة ، وحول ضرورة التمييز بين النقد المشروع والتشهير ، وبين المساءلة الفكرية والخصومة الشخصية .
إن محاكمة الكلمة الحرة هي إعلان خوف من الحقيقة ، والخوف من الحقيقة لا يبني أوطانًا . فلنحمِ حقنا في أن نسأل، وننتقد ، ونحلل ، بلا خوف من المحاكم أو القيود . فالأوطان التي تصمت فيها الأقلام ، تصرخ فيها الأزمات .




