رأي

*تأسيس الدولة بين معارك الهامش وتشويش المركز

 

د.موسى الأمين حمودة*

في ظل المرحلة المفصلية التي يمر بها السودان جراء الحرب العبثية التي أشعلها الفلول وافرازاتها المجتمعية والسياسية. وبعد رفض الجيش لكل جولات التفاوض من أجل وقف الحرب ومعاناة المواطنين،واتجاه الاجماع الكبير من أبناء السودان من أجل تشكيل وتأسيس نظام حكم ديمقراطي وعلماني وفيدرالي يعكس التنوع المجتمعي والثقافي للسودانيين ، تبرز محاولات متعمدة لإعاقة مشروع حكومة تأسيس عبر أنشطة ظاهرها اجتماعي محلي وباطنها سياسي موجه. ما تقوم به بعض المجموعات العسكرية الغير منضبطة والتنسيقيات المجتمعية بالتعاون مع جماعة بورتسودان أو الفلول المحليين بمناطق السيطرة ليس سوى محاولة لجر الدولة إلى دوامة الجوديات القبلية والترضيات الشكلية، وصرفها عن مهامها الجوهرية في بناء مؤسسات الدولة الجديدة القائمة على تنوع السودانيين.

الأرضية الحقيقية التي يقوم عليها مشروع التأسيس تكمن في دارفور وكردفان، وفي قلبها مدينة نيالا التي تمثل مركز ثقل سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. هناك تتبلور إرادة شعبية حقيقية تسعى إلى الاستقرار والتنمية وبناء الكيان المؤسسي المرتقب، غير أن المشهد في نيالا لم يعد خالياً من التعقيدات إذ بدأت محاولات إعادة إنتاج بعض القوى القديمة لنفسها في صورة أكثر مرونة وبتكتيكات جديدة.

ومن أبرز هذه التحديات ما يتعلق بالإدارة الأهلية. فقد أدرك الكيزان مبكراً أهمية هذا الجهاز الاجتماعي، فعملوا خلال ثلاثة عقود على التغلغل في بنيته وتحويله إلى أداة ولاء للنظام السابق. وبفعل هذا التوغل أصيبت منظومة الإدارة الأهلية بالشلل، وفقدت وظيفتها الأصلية كآلية تنظيمية واجتماعية محايدة، وأصبحت في كثير من الأحيان مجرد امتداد للسلطة السياسية.

الأكثر خطورة اليوم أن بعض الإنشاءات الأخيرة من عموديات وإدارات أهلية، والتي أُعلن عنها قبيل الحرب مباشرة وأثناءها ، غلب عليها الانتماء لذات التيار. جزء كبير من هؤلاء أصبح فاعلاً الآن في المنظومات المدنية والإدارات المحلية والمجالس التنسيقية التي أنشأها الدعم السريع، مما يمنحهم فرصة جديدة للتغلغل في مؤسسات الدولة، وربما إلى مواقع استراتيجية داخل التأسيس.

هكذا يصبح نجاح مشروع التأسيس لا يكمن فقط في إنشاء مؤسسات جديدة، بل في تنقيتها من آثار الماضي، وضمان أن لا تتحول إلى واجهة يعيد عبرها الكيزان إنتاج نفوذهم. المطلوب هو مراجعة دقيقة لبنية الإدارة الأهلية والعموديات والمجالس المدنية، مع ضبط علاقتها بالدولة الحديثة بحيث تؤدي دورها الاجتماعي الطبيعي دون أن تكون مدخلاً لاختراق سياسي.

إن مستقبل السودان الجديد سيتحدد بمدى قدرة حكومة التأسيس على إدارة هذا التوازن: حماية الأرضية الصلبة في دارفور وكردفان، وخاصة في نيالا، من التشويش والاختراق، وفي الوقت نفسه تحويلها إلى قاعدة لإرساء دولة حديثة لا مكان فيها لإعادة إنتاج شبكات الولاء القديمة.

ختاماً، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنجح حكومة التأسيس في حماية هذه الأرضية الصلبة من التشويش والاختراق، أم أن القوى القديمة ستجد طريقها مرة أخرى لإعادة إنتاج نفوذها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!