رأي

الحرب في السودان.. حين تتحول الصداقة إلى وقود للنزاع

 

بقلم نجم الدين دريسة

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، لم يكن المشهد محصورًا داخل حدود البلاد فحسب، بل بدا وكأن الإقليم بأسره قد تحول إلى ساحة صراع بالوكالة. القوى التي عُرفت لسنوات طويلة بأنها “دول صديقة”، سرعان ما ظهرت بوجه آخر، إذ لم تنحز إلى منطق السلام ولا إلى صوت الشعب السوداني الباحث عن الاستقرار، وإنما انزلقت إلى موقع المساهم في إذكاء الحرب وتعقيد مسارات الحل.

لقد كشف مسار الصراع أن معظم هذه الدول لا تنظر إلى السودان باعتباره وطنًا ذا سيادة يجب أن ينعم بالاستقرار، وإنما بوصفه ورقة جيوسياسية أو اقتصادية في لعبة أكبر. فمنهم من يسعى وراء موطئ قدم في البحر الأحمر، ومنهم من يطمع في ثروات الذهب والزراعة والنفط، ومنهم من يرى في إطالة أمد النزاع وسيلة لتصفية حساباته مع خصومه الإقليميين عبر الساحة السودانية. وهكذا تحول السودان إلى ميدان لتقاطعات المصالح، بدل أن يكون ساحة للتعاون والتكامل.

هذا السلوك لا يمكن وصفه إلا بالخيانة لجوهر الصداقة ، إذ أن الدولة التي ترفع شعار التضامن بينما تدعم بالسلاح والمال والإعلام طرفًا من أطراف الحرب، إنما تسهم بصورة مباشرة في سفك دماء الأبرياء وإطالة معاناة المدنيين. والأنكى من ذلك أن بعض هذه الدول تسوّق نفسها في العلن كوسيط محايد أو صانع سلام، بينما تعمل في الخفاء على تمويل الفوضى وتعطيل أي مبادرة جادة للتسوية.

إن خطورة هذا الدور تكمن في أنه لا يكتفي بتأجيل السلام، بل يرسخ ثقافة الارتهان للخارج، حيث يتوهم بعض الفاعلين السودانيين أن خلاصهم مرهون بالدعم الخارجي، فيغفلون عن جوهر الحل الحقيقي المتمثل في التوافق الوطني. وهنا يظهر السؤال الجوهري: إلى أي مدى يمكن للسودان أن يثق في أصدقاء يضعون مصالحهم فوق مصلحة شعبه؟

إن المستقبل لن يُبنى إلا إذا استوعب السودانيون أن رهانهم يجب أن يكون على وحدتهم الداخلية، لا على أي دعم خارجي مشروط أو انتقائي. فالسودان لن يخرج من هذه الدائرة الجهنمية إلا حين يتحرر من الوصاية، ويكفّ عن استجداء الحلول من عواصم لا ترى فيه إلا ساحة نفوذ ومطامع.

وعليه، فإن إعادة تعريف مفهوم “الصديق” باتت ضرورة وطنية. فالصديق الحقيقي هو من يدعم الشعب السوداني في مسعاه للسلام الشامل والتنمية المستدامة، لا من يغذي نار الحرب ويستثمر في الدم والدمار. والسؤال الذي يظل مطروحًا بإلحاح: هل يملك السودانيون الإرادة الكافية لكسر هذه الحلقة، وبناء مشروع وطني مستقل بعيدًا عن ضغوط الأجندات الإقليمية والدولية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!