
عادل تاج الدين جار النبي
لم يعد التناقض في خطاب الفريق عبد الفتاح البرهان مجرد اجتهادات سياسية أو محاولات لموازنة العلاقات الخارجية، بل أصبح علامة فارقة على غياب استراتيجية واضحة لإدارة ملف السودان خارجيًا. فالرجل الذي يُشيد بقرارات الرئيس الأمريكي حين تفرض واشنطن عقوبات على الإخوان المسلمين، يعود في اللحظة التالية ليمتدح جهود ولي العهد السعودي باعتبارها الأساس الوحيد للحل عبر مسار جدة. وكأن البرهان يتحدث إلى جمهورين، أو يقدّم وجهين مختلفين تبعًا للريح السياسية السائدة.
هذا التبدّل السريع لا يشبه الدبلوماسية المرنة، بل يعكس ارتباكًا بنيويًا داخل قيادة الجيش، وصراعًا حول تحديد الحليف الرئيسي والاتجاه الإستراتيجي للسودان. فالتحالفات في زمن الحرب ليست مجالًا للمجاملات، بل تتطلب وضوحًا ومرجعية ثابتة، بينما خطاب البرهان يبدو وكأنه يسعى لإرضاء الجميع دون أن يلتزم فعليًا بأي طريق.
والأخطر أن هذا التناقض لا يرسل فقط رسائل مربكة للخارج، بل يضاعف حالة عدم الثقة في الداخل. فالسودانيون يرون رئيس مجلسهم السيادي يتحدث عن “قيادة أمريكية للسلام” قبل أن يعود ليتحدث عن “قيادة سعودية للحل”، دون أن يوضح ماهية الدورين، أو كيف يتكاملان، أو أين يقف الجيش من أي منهما. كل هذا بينما تستمر الحرب، ويستمر نزيف المدنيين، وتتآكل مؤسسات الدولة.
إن عدم استقرار خطاب البرهان، وتبدّله حسب المناسبة، يؤكد أن الأزمة ليست في واشنطن ولا في الرياض، بل في مركز اتخاذ القرار في الخرطوم. فالدول لا تنتظر من قائدها أن يوزّع الإطراء، بل أن يقدّم رؤية واحدة، وإستراتيجية واضحة، وخطابًا متماسكًا يعكس جدية الدولة لا مزاجية القائد.
دالاس/تكساس
الجمعة الجامعة ٢٨ نوفمبر ٢٠٢٥




