
نجم الدين دريسة
معلوم لكل من ألقى السمع وهو شهيد، محاولات المخابرات المصرية للإجهاز على الثورة الشعبية الباذخة منذ اليوم الأول. فقد ظل النظام المصري يستخدم كل الوسائل غير المشروعة لإنهاء الثورة الشعبية التي عمت طيفًا عريضًا من الشعوب السودانية، وكانت تبتغي إحداث تغيير في الدولة السودانية. وقد رفعت الثورة شعاراتها: الحرية والسلام والعدالة، وهي مضامين كلها تصب في خانة الانعتاق من الدولة الموروثة عن الاستعمار، والمرتبطة عضويًا بالنظام المصري الجائر.
ظلت الدولة المصرية منذ اليوم الأول تعمل على وضع العراقيل أمام الثورة، من خلال تمرير أجندتها عبر قائد الجيش البرهان، الذي ظل ينفذ الأوامر والتعليمات الصادرة إليه من المخابرات المصرية وكأنه ضابط مصري يحرس مصالح الدولة المصرية وامتيازاتها التاريخية في السيطرة على مقاليد الأمور، والتحكم في مقدرات السودان واستغلال موارده بصورة بشعة. وقد بلغ الأمر أن استدعت مصر البرهان إلى القاهرة لفض اعتصام محيط القيادة العامة على غرار ما حدث في رابعة العدوية، فكانت واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبها النظام المصري عبر عملائه في الجيش السوداني.
لم تتوقف مصر عند ذلك الحد، بل عندما رأت مواقف حكومة الثورة بقيادة الدكتور حمدوك ماضيةً نحو وقف العبث المصري، استدعت البرهان مجددًا، فكانت النتيجة انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م، لقطع أي طريق أمام تطلعات الشعوب السودانية في تحقيق الاستقلال الكامل. وحين برز الاتفاق الإطاري الذي كاد أن يقود إلى توافق سياسي ينهي عقودًا من الظلم والتهميش والارتهان للدولة المصرية، أشعلت حرب 15 أبريل. هكذا ظلت الأيادي المصرية الآثمة تعبث بالمصير السوداني بمساعدة جيش ونجت باشا وبعض النخب.
والمؤسف أن مصر الرسمية سعت كذلك إلى تقسيم قوى الثورة؛ إذ عمدت إلى خلق حاضنة ضرار عبر تقسيم قوى الحرية والتغيير، وظلت جارة السوء تحشر أنفها بشكل مستمر تحت دعاوى ومبررات سخيفة، منها “الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية” وكأنها مؤسسات قومية تعبر فعلًا عن الشعوب السودانية.
ومعلوم أن مشروع الدولة السودانية نفسه غير متفق عليه ولا محل تراضٍ حوله، وأن الدولة الموروثة عن الاستعمار ظلت مرتبطة ومرتهنة بالكامل للدولة المصرية التي وقفت لعقود طويلة ضد مصالح الشعوب السودانية. ولا تزال مصر تتعاطى مع الشأن السوداني بعقلية عفا عليها الزمن، عبر آليات وماكينات لم تعد قادرة على لعب الأدوار القديمة، في وقت شهد فيه العالم تطورات مذهلة وتغيرات جوهرية. ومع ذلك، ما تزال مصر تقبع خلف عقليتها التاريخية.




