
سيبويه يوسف
أصبح من الممكن لكل من يتابع يوميات حرب السودان أن يكتشف بوضوح وجود مواقف متباينة، تتشكل تحت صراع تقوده أيادٍ خفية، تقف في مقدمتها الحركة الإسلاموية. فمنذ الطلقة الأولى اختارت الحركة أن تكون المسؤول الأول سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا، إضافة إلى دعمها المادي وتوظيف علاقاتها الخارجية، والاستفادة من إرثها في محور تنظيم الإخوان المسلمين العالمي لدعم الجيش المختطف، في حرب لم يكن خياره. وقد ظهر ذلك جليًا في ارتباك البرهان وتلعثمه في أول مداخلة له مع قناة الجزيرة صباح الخامس عشر من أبريل 2023، حين صاح بدهشة: “ما سامعا الضرب!”
معارك تجريف الذاكرة
قامت الاستراتيجية آنذاك على ترسيخ فكرة أن قوات الدعم السريع هي من أشعلت الحرب، مع محاولة طمس كل المؤشرات التي أكدت، عبر اجتماعات وندوات الحركة الإسلاموية في برامجها الرمضانية، أن الحرب كانت خيارهم الأوحد لمواجهة الاتفاق الإطاري. ويبدو أن هذا الموقف امتداد طبيعي لما جرى في مجزرة فض اعتصام القيادة، حين غُدر بالثوار بدم بارد. وقد كشفت تطورات الحرب لاحقًا تسجيلات مصورة لقادة في كتائب البراء بن مالك وهم يفتخرون بقتل الثوار.
لم يكن الهدف من الحرب سوى القضاء على الثورة قبل أن يفرض الاتفاق الإطاري واقعًا جديدًا يقصيهم نهائيًا. لكن في المقابل، لم يكن الثوار وحدهم في الساحة، إذ انحازت قوات الدعم السريع للاتفاق الإطاري، وبرزت تصريحات محمد حمدان دقلو (حميدتي) ونائبه عبد الرحيم، مؤكدين تمسكهم بالاتفاق وحماية الثورة. هذا الموقف دفع قادة الثورة المضادة إلى تكثيف تحالفاتهم داخليًا وإقليميًا بحجة مواجهة ما يصفونه بـ”فوضى الهامش”، وكانوا يظنون أنهم قادرون على سحق الدعم السريع في ساعات معدودة.
غير أن الواقع أثبت أن قرار المباغتة باستخدام الطيران لاستهداف معسكرات الدعم السريع لم يقرأ بدقة طبيعة الجيش ولا هشاشته البنيوية. وبدلًا من حسم الحرب، تحولت المعارك إلى صدور المدنيين وفي أطراف المدن المهمشة التي أرهقها نظام الثلاثين من يونيو بالفقر والجهل والمرض، لتصبح الحرب كمن أشعل عود ثقاب في مخزن وقود.
شيطنة قوات الدعم السريع
وبما أن حرب المدن من أقسى أنواع الحروب، فقد اتُخذ قرار مدروس بفتح السجون –وفق بيان رسمي لشرطة السجون آنذاك– وهو ما اعتُبر غطاءً للإفراج عن قادة النظام البائد والمطلوبين للجنائية الدولية. لكن النتيجة كانت إضافة وقود جديد للحرب، مع إطلاق يد عصابات “تسعة طويلة” التي اعتادت أجهزة الأمن استخدامها لزعزعة مسار الثورة، كما حدث سابقًا في إغلاق طريق الشرق لخنق الحكومة اقتصاديًا.
بهذا الشكل، استعجلت الحركة الإسلاموية العودة للمشهد، مستغلة الفوضى لتسويق مشروعها الذي أسقطه الشعب في ثورة ديسمبر المجيدة. لكن يبقى السؤال: هل كان البرهان حليفهم الموثوق؟ وهل كان يعلم بتفاصيل اندلاع الحرب؟ وهل هو مؤهل أصلًا ليخاطب العالم وهو مثقل بجرائم دارفور؟ خصوصًا بعد تسريب خطير للإسلامي عبد الحي يوسف يؤكد فيه أن الحركة لا تثق في البرهان وأنهم اخترقوا حتى مكتبه، واصفًا إياه بالكاذب الذي لا عهد له.
البرهان وصراع الأوراق الثلاث
ما يجري اليوم يشير إلى أن البرهان يحاول الاستثمار في تناقضات تحالفاته الهشة، التي يغلب عليها وهم السلطة والمال. ومن بين أبرز هذه التحالفات قوى اتفاق جوبا للسلام، التي تمنحه بعض الشرعية من الوثيقة الدستورية. لكن هذه الشرعية تلاشت سريعًا بعد انسحاب مني أركو مناوي، الذي أقر بعجزه عن حماية أهله من ويلات الحرب، رغم أنه كان يتباهى سابقًا بما أسماه “جيش الوطن وتحرير دارفور”، مستعرضًا خطواته على سجادة حمراء أمام الإعلام.
كامل إدريس … الدمية التي لم تُفرح أحدًا
ومع تزايد عزلة البرهان وسحب شرعيته من الاتحاد الأفريقي، وجد نفسه مضطرًا –بمشورة من مستشاريه– إلى البحث عن حكومة مدنية ورئيس وزراء مقبول دوليًا. لكنه، وبفكر محدود، حاول تقديم نسخة “مقلدة” من عبد الله حمدوك، فاختار كامل إدريس؛ شخصية ظلت مثار جدل حول نزاهتها، وتاريخها المرتبك بين مهادنة نظام البشير أحيانًا والظهور في صفوف الثوار أحيانًا أخرى.
لكن سرعان ما بدأت الغرف الإعلامية التابعة لفلول النظام البائد حملة منظمة ضده، وهو ما أراه بداية لنقض الغزل بعد لقاء البرهان بالمبعوث الأمريكي بولس مسعد، في محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 15 أبريل 2023.




