
شهدت مدينة نيالا يوم الخميس الماضي حدثًا مفصليًا في مسار السياسة السودانية، حيث أدّت حكومة تأسيس القسم رسميًا، في لحظة تُؤرخ لبداية مرحلة جديدة من نضال السودانيين نحو الحرية والسلام والعدالة. وزاد من رمزية هذه اللحظة إعلان محمد حمدان دقلو رئيسًا للمجلس الرئاسي، الأمر الذي حمل دلالات عميقة تتجاوز مجرد تشكيل سلطة سياسية جديدة، لتلامس جوهر الصراع التاريخي بين الهامش والمركز.
لقد أثبت القائد محمد حمدان دقلو، مرة أخرى، أنه قادر على تحريك أشواق الملايين من أبناء وبنات السودان، وخاصة شعوب الهامش الذين طالهم التهميش السياسي والاجتماعي لعقود طويلة. الرجل لا يطرح نفسه كزعيم عابر، بل كرائد لمرحلة جديدة، صانع لمسار مختلف يطمح أن ينقل السودان من أسر الدولة الموروثة عن الاستعمار إلى فضاء الدولة الوطنية الحقيقية، دولة المشاركة لا الإقصاء، والديمقراطية لا الاستعلاء.
إن رمزية حميدتي تكمن في قدرته الفائقة على التأثير، وفي حضوره الشعبي الطاغي الذي لم تصنعه النخب ولا المؤسسات، بل صاغته التجربة والمعاناة، والبساطة التي جعلته قريبًا من الناس. هذه الصفات جعلت من الرجل أيقونة للتحرر بالنسبة للمهمشين، ورمزًا لتحدي الهيمنة القديمة التي ظلت تحتكر السلطة والثروة والقرار لعقود.
منذ وقت مبكر، حاولت قوى المركز التقليدي، ومعها تحالف الامتيازات التاريخية، شيطنة الرجل وتشويه صورته، عبر الحملات الإعلامية الموجهة، أو عبر التشكيك في نواياه ودوافعه. غير أن تلك الحملات فشلت في كبح المد الثوري الذي يقوده، لأن الواقع أقوى من الدعاية، ولأن الجماهير التي خبرته عن قرب أدركت صدقه، ورأت في شجاعته وجرأته ما يفتقده كثير من القادة الآخرين.
أداء القسم في نيالا ليس مجرد احتفال رسمي، بل هو إعلان عن ميلاد مركز سياسي جديد في قلب السودان المتعدد والمتنوع. وهو في الوقت نفسه رسالة واضحة بأن زمن احتكار الخرطوم وحدها لصناعة القرار قد ولى، وأن إرادة الشعوب في الأطراف قادرة على أن تفرض نفسها على الخارطة الوطنية.
إن اختبار محمد حمدان دقلو رئيسًا للمجلس الرئاسي، يضعه أمام تحديات جسام، لكنه في الوقت ذاته يفتح أمام السودان آفاقًا واسعة للتغيير الحقيقي. فالرجل لا ينطلق من حسابات حزبية ضيقة، ولا من جهوية أو مناطقية، بل من رؤية وطنية تسعى لإنقاذ السودان من أزماته المزمنة، وبناء دولة العدل والمواطنة.
ولعل اللحظة الراهنة تشبه إلى حد كبير اللحظات التاريخية التي قاد فيها عظماء مثل نيلسون مانديلا ومارتن لوثر كينغ شعوبهم نحو الحرية. فالمسار محفوف بالمخاطر، والخصوم كُثر، لكن نار التغيير التي أوقدها حميدتي، تبدو عصية على الانطفاء، ومقدّرة لها أن تشق الطريق رغم كل الصعاب.
لقد دخل السودان منعطفًا جديدًا، عنوانه التأسيس والقطيعة مع الماضي، وعماده الإرادة الشعبية التي وجدت في حميدتي قائدًا صادقًا وملهمًا. والتاريخ، كما يبدو، بصدد كتابة فصل مختلف، ربما يكون الأهم منذ استقلال السودان، فصلٌ يصنعه أبناء الهامش هذه المرة، بقيادة رجل آمن بأن التغيير ليس خيارًا بل قدرًا.




