رأي

عندما خذل كامل إدريس المعلمين: خيبة أمل بحجم وطن

حسن عبد الرضي الشيخ

في لحظة من لحظات الأمل القليل، ظن كثير من معلمي بلادي أن مجيء الدكتور كامل إدريس إلى سدة الحكم سيحمل بشرى تغيير طال انتظاره. كانوا يترقبون خطواته، يراقبون كلماته، وينتظرون قراراته كما ينتظر الغريق قشة النجاة. لكنهم، ويا للأسف، لم يجدوا غير السراب. واليوم، بعد زمن من الانتظار العقيم، لا يسعهم إلا أن يرددوا بألم: “المنتظره الرمادة في خشمه”.

هنالك نفر، نحن منهم، لا ندّعي علماً بالغيب، ولكن نحسن التفكير، ونقرأ ملامح الوجوه وما بين السطور. قلناها بملء أفواهنا: كامل إدريس لم يكن كاملاً إلا في النقص. وكان الأجدر أن يفهمها من كان يراهن عليه، ومن ظن فيه خيراً لقضية المعلمين، وهي من أعظم القضايا وأكثرها وجعاً في هذا البلد.

والأعجب من ذلك، أن هناك من المعلمين من ظلوا يترقبون ويتشبثون ببصيص أمل، تحول لاحقاً إلى حسرة قاسية، كان يمكن تجنبها لو تدبروا أمرهم. إحدى المعلمات الباسلات قالتها بصدق موجع: “خذلتنا يا كامل إدريس”. ولا خير فينا إن لم نقُلها، ولا خير فيك إن لم تسمعها وتعي مرارتها.

لقد فرحنا حين توليت منصب رئيس الوزراء، واستبشرنا خيراً، وقلنا إن زمناً مختلفاً قادم، ولكنك، يا سيدي، آثرت أن تحضر “نكَية” سوهندا عبد الوهاب، وأن تشارك في فعاليات تجميل المدن و”نظافة” الطرق، بينما بيوت المعلمين تتهاوى، وجيوبهم خاوية، وأرواحهم تتألم من وجع الإهمال، وتنتظر عدلاً لم يأتِ.
مالنا ومال التكايا؟ ومالنا ومال وجبة الفاصوليا؟

هل تعني هذه الطقوس شيئاً للمعلم الذي لا يجد قوت يومه؟ هل نظافة الشوارع أولى من كرامة المعلم؟ وهل التكايا تعطيه راتباً أو علاجاً أو حلاً لمعاناته اليومية؟ لقد انشغلت بما لا يعنيك، وتركت ما يعنيك، بل ما يجب أن يكون على رأس أولوياتك. تجاهلت صوت من علمك ومن وضعك على عتبة المسؤولية.

تعلم، علم اليقين، أن معلمي بلادك يعيشون واقعاً مريراً: جياع، عطشى، مرضى، ومقهورون. لا يجدون سنداً إلا الله. وللأسف، لم تكن لهم سنداً، بل صرت جزءاً من سلسلة التجاهل والإهمال التي أنهكتهم وأوردتهم مورد اليأس.

نحن شعب غير متطور؟ نعم، ولكن كيف نتطور إذا كان من يتصدرون المشهد لا يعترفون بحقوق من يصنع العقول؟ كيف ننهض وأنت تتجاوز عن مأساة من علّمك؟ هل مررت بالمدارس لترى البؤس والفقر بعينيك؟ هل رأيت كيف يموت المعلم بصمت، ويُذل في وطنه وهو حامل رسالة الأنبياء؟

كنا نرجوك أن تكون “قشاش الدموع”، فكنت أنت من زادنا وجعاً. واليوم، بعد أن انهارت الآمال، لم يبقَ لنا سوى أن نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل في كل من أوصلناه إلى موقع المسؤولية فخذلنا وظلمنا.

سأكتب، وسأكتب حتى يجف قلمي. وإن وصل صوتي إليك، فعد إلى قواعدك سالماً، وأدرك أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
اللهم قد بلّغت. فاشهد.

والسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!