ثوار ديسمبر وشباب الدعم السريع: أبناء رحمٍ واحد اسمه الإنقاذ التناقض وازدواج المعايير في العقل السياسي للنخب السودانية
خالد كودي، بوسطن

١/ يُعدّ سؤال الهوية والولاء السياسي- الاجتماعي في السودان أحد أكثر الأسئلة إشكالية في الفكر السوداني الحديث. فبينما يمكن أن نجد ما يبرّر الانتماء القبلي أو الجهوي عند من وُلدوا ونشأوا في ظروف التهميش العزلة والفقر والحرمان (حيث الإنسان والحيوان يشتركان في مورد الماء ذاته، يشربون معا، ويُستشفى الناس بأشجار النيم ونبات القرض وغيرهما، ولا تعليم ولا خدمات…)، يصبح من الصعب فهم استمرار العقلية القبلية والجهوية عند أبناء النخب الذين عاشوا في المدن الكبرى، وتمتعوا بالسلطة والثروة والتعليم والخدمات، بل واحتكوا بالعالم الخارجي عبر السفر او الإعلام والاتصال الرقمي. هذه المفارقة تفتح الباب أمام نقد ازدواج المعايير، خاصة لدى نخب الوسط والشمال النيلي التي ورثت الامتيازات منذ الاستقلال، وأعادت إنتاج منظومة الهيمنة في ظل حكم الإنقاذ، ولكنها لم تتعلم شيئا!.
٢/ الخدمة الوطنية الالزامية وحروب الجهاد
منذ أوائل تسعينيات القرن العشرين، فرض نظام الإنقاذ ما سُمّي بـ”الخدمة الوطنية الإلزامية والدفاع الشعبي” علي كل السودانيين خاصة الشباب، وفرضها شرطًا للتخرج من الجامعات والمعاهد العليا. لم يكن الأمر مجرد تدريب عسكري روتيني، بل كان امتدادًا لاستراتيجية إخوانية جهادية ذات طبيعة فاشية. عشرات آلاف من الطلاب أُرسلوا مع “المتحركات الصيفية للجهاد”، ووثق لها في ساحات الفداء، متحركات مثل الزحف الأخضر، الفتح المبين، القادسية، سعد ابن ابي الوقاص… الخ… ليقاتلوا في الجنوب، جبال النوبة، النيل الأزرق، ودارفور.
فكل شاب ادي هذه الخدمة، فالينظر الي نفسه في المرآة، وكل اسرة لديها ابن ادي هذه الخدمة فالتنظر الي تفسها في المرآة!
وان كان وان ذهب هؤلاء المجندين الي مناطق الجهاد، لم يذهبوا الي تقديم الازهار ولا لمعالجة المرضي او تقديم أي عون انساني، انما ذهبوا للقتل والتدمير والنهب والاغتصاب.
كانت تلك الحروب تُدار بسياسة الأرض المحروقة: قتل وحرق البني ادميين، قصف وحرق القرى، تدمير المنازل، نهب الممتلكات، وتشريد المدنيين. والمرجعية الفكرية لذلك جاءت من سيد قطب وتنظيراته حول “الحاكمية” و”المجتمع الجاهلي”، وهي نفسها الأفكار التي ألهبت خيال الحركات الفاشية في أوروبا، بما في ذلك تشابهها مع تنظيم شباب هتلر الذي ربط مستقبل الشباب بالولاء المطلق للدولة والحزب. وهكذا أُعيد إنتاج نسخة سودانية من “الولاء القسري او الطوعي”، حيث لا مجال للتخرج واستلام الشهادات، أو العمل، او السفر أو الاعتراف الاجتماعي إلا عبر المرور ببوابة الجهاد الإجباري.
٣/ من رحم الإنقاذ إلى ساحات الثورة
مفارقة التاريخ أن كثيرًا من الشباب الذين خرجوا من رحم الإنقاذ، وتشرّبوا ثقافتها، وجُنّدوا قسرًا أو طوعًا عبر ما عُرف بـ”الخدمة الوطنية” أو “الدفاع الشعبي” في ما سُمّي بـ”المتحركات الصيفية”، هم أنفسهم الذين تصدّروا لاحقًا مشهد ثورة ديسمبر 2018. فقد تمرّدوا على من نشاؤا وتعلموا في معيته، وعلي من صاغ وعيهم، وشاركوا في اعتصام القيادة العامة، وسقط بعضهم شهداء في سبيل إسقاط النظام. غير أن هذا الوجه الثوري يخفي خلفه واقعًا آخر، واقعا مظلما ومسكوت عنه: فأغلب هؤلاء لم يكونوا من أبناء القرى المنسية أو المهمشين بالكامل، بل من أبناء النخب أو من المحظوظين من أبناء الهامش الذين أُتيح لهم الوصول إلى مؤسسات التعليم العالي.
وقد كان، كل خريج جامعة في عهد الإنقاذ مضطرًا للمرور عبر بوابة الخدمة الوطنية الالزامية، إذ لم يكن الحصول على الشهادة أو التوظيف أو السفر إلى الخارج ممكنًا دون أداء هذه “الفريضة.” فالتتحسس النخب وعيالها تاريخها!
كل من ادي هذه الخدمة مكان تساؤل
لقد أُسندت إلى هؤلاء الشباب مهام متعددة ضمن استراتيجية الحروب الجهادية للإنقاذ: أعمال مكتبية وتقنية داخل مؤسسات الدولة الفاشية الفاسدة، وحراسة المعسكرات الي تم فيها القتل والتعذيب، واقتحام القرى في جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور، ونهب الممتلكات، وتدمير المزارع وسرقة الغلال، وتسميم الآبار، وحرق المنازل، ومرافقة الجيش وميليشياته في كل عمليات “التطهير” التي تضمنت القتل والتشريد. هذه الأدوار لم تكن وليدة قرارات فردية، بل نتاج عملية منهجية لـغسل الأدمغة، عبر خطاب تعبوي مكثّف استلهم فكر سيد قطب وتقنيات الفاشية الحديثة في السيطرة على المجتمع واراداته، ومهم الإقرار بهذا. وقد شكّلت برامج مثل “ساحات الفداء” وطقوس “أعراس الشهيد” وصور وفيديوهات الدبابين البنية الرمزية التي غذّت هذا الوعي الجهادي، وحوّلت الطاعة والتضحية في معارك الإنقاذ إلى أسمى درجات الانتماء.
وعلى الضفة الأخرى، تكوّنت قوات الدعم السريع من شباب جاؤوا من بيئات فقيرة ومهمَّشة، من نفس نظام الإنقاذ، وان كانوا بلا تعليم نظامي، وبلا نصيب من السلطة أو الثروة. لم يكن أمامهم سوى أجسادهم كوسيلة للبقاء، فكان الانخراط في صفوف الدعم السريع مخرجًا من الفقر والعطالة ومحاولة لفتح نافذة نحو مستقبل ما، مهما كان غامضًا. وعندما اندلعت حرب 15 أبريل 2023 بواسطة الكيزان، تمرد هؤلاء على النظام الذي أنشأهم والجيش الذي استعملهم، أُسقطت عنهم أي شرعية سياسية أو أخلاقية، وصُوِّروا في خطاب النخب والإعلام بوصفهم “مجرمين”، لا كثوار ولا شركاء في الثورة.
غير أن المفارقة تكمن في أن المسارين متطابقان في الجوهر: فشباب الجامعات والمعاهد العليا وموظفو الدولة الذين جُنّدوا عبر الخدمة الوطنية أو الدفاع الشعبي أدّوا أدوارًا لا تختلف عن تلك التي كُلّف بها شباب الدعم السريع القادمون من الهوامش، الذين انجذبوا بفعل الحاجة الاقتصادية، او الثقافة أو ظروف القسر إلى آلة الحرب نفسها. كلا الفريقين أبناء رحم الإنقاذ، لكن التقييم كان متناقضًا: من قاتل في صفوف “المجاهدين والدبابين” عُدّ لاحقًا “بطلاً قوميًا” حين تمرّد على النظام وشارك في ثورة ديسمبر، أما من تمرّد على الإنقاذ وجيشها بعد اشتعال حرب أبريل فقد وُسم إلى الأبد بـ”المجرم”!!
هكذا يتكشف التناقض البنيوي وازدواج المعايير: فليس طبيعة الفعل ولا ظروف التكوين هي التي تحدد موقع الفرد بين البطولة والإجرام في السودان وفي ثقافة النخب، بل هوية الضحية ومكانها. وهو ما يذكّر بمفهوم “تفاهة الشر” عند هانا أرندت، الذي يوضح كيف يمكن لأشخاص عاديين أن يتحولوا إلى أدوات للفظائع حين يجدون أنفسهم داخل منظومة شمولية تسحق الإرادة الفردية، وتحوّل الطاعة اليومية إلى أفعال كارثية على المستوى الإنساني.
٥/ الضحية كمعيار للاعتراف!
السبب الجوهري لهذا التناقض المثبت يكمن في هوية الضحية. عندما كان ضحايا حروب الجهاد هم مواطني الجنوب، جبال النوبة، النيل الأزرق ودارفور – أي الهامش السوداني – لم تُثر القضية وجدان النخب، بل عُدّت مقبولة أو “طبيعية” ضمن صراع الدولة مع “المتمردين”. أما حينما انقلب السحر على الساحر، وتغير الامر، وصار الضحايا من سكان الخرطوم ومدني وسنار، أصبح مرتكبو “الجرائم” جراء الدواس بين الجيش ومليشياته في جانب ومن الجانب الاخر قوات الدعم السريع في نظر النخب مجرمين ابديين لا يمكن قبولهم – وان كانت “الضحايا جانبية” أي:
Collateral Damage!
٦/ الإطار الفلسفي والفكري لازدواج المعايير وسط مجتمعات النخب السودانية
يُفسّر هذا التناقض عبر عدة مقاربات فكرية:
– حنة آرندت في حديثها عن “تفاهة الشر”، ترى أن الأفراد قد ينخرطون في أنظمة قمعية لا بدافع الشر الخالص، بل نتيجة الإكراه والامتثال. ينطبق هذا على شباب الجامعات والدعم السريع على السواء.
– فرانز فانون أشار إلى أن المستعمَر الداخلي غالبًا ما يعيد إنتاج عنف المستعمِر. ما فعله أبناء النخب في حروب الجهاد ليس إلا إعادة إنتاج عنف الدولة المركزية.
– غرامشي تحدث عن “الهيمنة الثقافية”، أي قدرة الطبقات المهيمنة على جعل المقهورين يقبلون منظومتها كـ”طبيعية”. قبول النخب بجرائم الجيش ومن في طاعته من مليشيات ضد المهمشين يندرج في هذا السياق.
– ومن التاريخ، نجد أن جنود الاتحاد السوفيتي الذين شاركوا في قمع انتفاضات أوروبا الشرقية، أو جنود الولايات المتحدة في حرب فيتنام، لم يُحاكموا جميعًا كمجرمين، بل فُصل بين “النظام” و”الأفراد”. لكن ازدواجية المعايير في السودان تفصل بين مجندين “أبناء الوسط” (أبطال) ومجندين “أبناء الهامش” (مجرمون)!
٧/ نحو قراءة جديدة:
إن المقاربة العلمية تقتضي الاعتراف بأن كلا التجربتين متشابهتان من حيث البنية: شباب جرى استغلالهم ضمن منظومة قمعية – فاشية، سواء باسم “الجهاد” أو “محاربة التمرد”.
التمييز في الحكم الأخلاقي والسياسي هو انعكاس للعنصرية البنيوية في السودان، وللاستعلاء التاريخي الذي مارسته النخب المركزية.
والسؤال هو اين شباب السودان الذين ادوا الخدمة الوطنية او شاركوا في الدفاع الشعبي ابان الإنقاذ ، وأين شباب قوات الدعم السريع و اين مبلهما اليوم من الكيزان ونظام بورتسودان ومن أي مشروع لبناء وطن يقوم علي المواطنة والعدالة التاريخية.
إذا أردنا بناء مستقبل مختلف، فالحل يبدأ من مواجهة هذا التناقض: الاعتراف بأن ضحايا الهامش هم بشر مثل ضحايا المركز، وأن الجريمة لا تُقاس بهوية من ارتكبها أو من عانى منها، بل بطبيعتها الإنسانية.
خلاصة الحجة:
إن ازدواجية المعايير عند النخب السودانية تكشف بجلاء أن معيار الإدانة أو البطولة لم يكن يومًا “الفعل” ذاته، بل “هوية الضحية” – وهوية الفاعل. فحين كان الضحايا من الجنوب أو جبال النوبة أو دارفور، سكتت النخب، بل واحتفت بالمجندين السابقين كثوار عندما انقلبوا علي النظام. وحين صار الضحايا من الخرطوم ومدني وسنار، تبدّل الخطاب فجأة: من مارس العنف بالأمس بطل، ومن تمرّد اليوم مجرم.
هذا التناقض البنيوي لا يمكن تجاوزه إلا بالاعتراف أن المطلوب ليس مجرد عدالة انتقالية محدودة تُعالج الجرائم بشكل انتقائي، بل عدالة تاريخية شاملة تُفكك جذور العنصرية والتهميش التي صنعت هذا الواقع.
وهنا تبرز قيمة ميثاق تأسيس ودستوره الانتقالي، الذي طرح لأول مرة إطارًا فوق دستوري يضع معيارًا واحدًا للعدالة، لا يميز بين ضحايا المركز والهامش، ولا بين دماء الخرطوم ودماء كادقلي أو الجنينة. إن حكومة “تأسيس” بما تحمله من رؤية جديدة للسودان تمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أساس المساواة والذاكرة العادلة، بحيث تُعترف كل الضحايا دون استثناء، ويُعامل كل الفاعلين وفق معيار موحد، بعيدًا عن ذاكرة النخب الانتقائية. من هنا يصبح مشروع “تأسيس” ليس مجرد بديل سياسي، بل أفقًا للعدالة التاريخية التي وحدها قادرة على كسر إرث العنصرية والهيمنة، وفتح الطريق نحو سودان جديد يتسع للجميع.
واهمٌ من يظن أن هناك فارقًا جوهريًا بين شباب ثوار ديسمبر الذين انقلبوا على منظومة الإخوان المسلمين، وبين شباب الدعم السريع الذين يقاتلون الإخوان المسلمين اليوم؛ فكلاهما خرج من رحم الإنقاذ، وتشكّل وعيه في فضائها القسري، ثم تمرد لاحقًا على المنظومة ذاتها التي صنعته، الا ان البعض لايزال يقاتل والبعض الاخر عاد الي حضن الامتيازات التاريخية وبدم بارد!
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)




