رأي

حكومة تحالف “تأسيس” وبشريات الاعتراف الدولي المبكر.

د.جودات الشريف حامد

د.جودات الشريف حامد

بعد مسار تراكمي طويل من النضال المخلص والتضحيات الصادقة، تبلور ميلاد حكومة السلام والوحدة التي جاءت كنتاج لتحالف السودان التأسيسي “تأسيس” و كحقيقة واقع سياسي واجتماعي و ثقافي( هوياتي ) جديد، حكومة وُلِدت من مقتضيات الواقع و حاجات الشعب السوداني الملحة لمشروع دولة سودانية متكاملة قائمة على الحرية و العدالة والمواطنة المتساوية و خدمة المواطن، متجاوزةً في نضجها و إستيعابها و واقعيتها شكل و مضمون دولة النخب المركزية المُسْتهبِلة منذ ١٩٥٣م . غير أن مسار و طموح و (قيفْ) هذه الحكومة لا يقف عند حدود و مراسي الشرعية الشعبية العريضة التي نالتها عبر الدعم و التفويض الجماهيري المُبرهَن و الموثق بالمظاهرات المليونية التي خرجت مُبارِكة و مؤيدة ، بل تتجه اليوم حكومة السلام و الوحدة إلى مرحلة جديدة تحمل دلائل و مؤشرات الاعتراف الدولي المبكر، والتي تجلت في جملة من الخطوات المبشرة و التطورات النوعية.
أول هذه التطورات النوعية جاءت عبر تصريحات رئيس الوزراء الأسبق عبد الله حمدوك، الذي أكد بوضوح لا يحتمل التأويل أن “تأسيس” لا تدعو إلى انفصال السودان، وأن الأصوات التي تنادي بالانفصال إنما تصدر من قلة معزولة من وسط وشمال السودان، وهي أقلية لا يُعتد بها في ميزان التمثيل الوطني و إعتبارات الثقل السكانى. هذا الموقف يقطع الطريق أمام أي دعاية مغرضة يلوكها البلابسة السفهاء يتهمون فيها حكومة السلام والوحدة بأنها مشروع تقسيم و انفصال، وهذا ما يؤكد أن حكومة تأسيس غايتها النهائية هي الحفاظ على وحدة السودان على أسس طوعية و رضائية عادلة .أما التطور الثاني فقد تمثل في دعوة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة السيد رمطان العمامرة من مقر إقامته في نيروبي إلى حكومة تأسيس للانخراط في العملية التفاوضية بوصفها ممثلة لحكومة السلام و الوحدة. هذه الخطوة ليست مجرد تصريح عابر او مجاملة دبلوماسية، لكنها تحمل في جوهرها و مآلها المستقبلي المنظور اعترافاً ضمنياً بحكومة السلام و الوحدة كواقع(شعب و ارض و سلطة) يصعب تجاوزه من قِبل الأمم المتحدة و وكالاتها في التعاطي مع الازمة السودانية، كما ان تشير تصريحات العمامرة بوضوح إلى تحول في نهج المجتمع الدولي و طريقة تفكيره، والذي بدأ يدرك أن أي عملية لإنهاء الحرب في السودان لن تكتمل دون إشراك الحكومة الجديدة التي ولدت من رحم اهتمامات السلام والإرادة الشعبية.وفي ذات السياق، جاء التطور او الخطوة الثالثة من القرار المتمثلة في تعيين الرفيق عمار أمون دلدوم وزيراً للخارجية والتعاون الدولي. هذه الخطوة لم تكن مجرد فرمان سياسي لتشكيل وزاري، لكنها تعبر بصدق عن تأسيس حقيقي لذراع دبلوماسي رسمي يتولى مهمة اختراق جدران اي عزلة وبناء علاقات ثنائية ومتعددة الأطراف مع دول الجوار والمجتمع الدولي. إن وجود وزارة خارجية فاعلة يفتح الباب واسعاً أمام مخاطبة العواصم المؤثرة والمنظمات الدولية بشكل مباشر، وهو ما يعزز فرص الحصول على اعتراف رسمي مبكر.
ثم جاء التطور او الخطوة الرابعة المتمثلة في القرار الذي يمكن اعتباره نقطة تحول استراتيجية في العقل التفكيري الجمعي لتحالف “تاسيس” ألا و هو تعيين الدكتور القوني مبعوثاً دائماً لحكومة السلام والوحدة لدى الأمم المتحدة بقرار من قِبل رئيس الوزراء الاستاذ التعايشي. هذه الخطوة تمثل إعلاناً عملياً لجدية حكومة السلام و الوحدة في تثبيت وجودها في المحافل الدولية، وتأكيداً على أنها لا تكتفي بالشعارات أو التمثيل الرمزي، بل تتحرك بخطوات واثقة و مدروسة لبناء حضور رسمي داخل أرفع مؤسسة دولية(الامم المتحدة). فإرسال مبعوث دائم إلى الأمم المتحدة يعكس وعياً سياسياً واستراتيجياً بأهمية مخاطبة العالم من قلب المنظومة الدولية، كما أنه يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة جديدة: أن حكومة تأسيس تسعى لتجسيد معايير الدولة وفق اتفاقية مونتيفيديو 1933، وتمتلك الإرادة للانخراط في العلاقات الدولية على نحو مسؤول و شفاف و نزيه.
إن هذه الخطوات (التطورات) الأربع تشكل معاً (خريف ام بشّار مُبشر و مُبكر) بالاعتراف الدولي بحكومة تحالف السودان التأسيسي “تأسيس”، وتفتح الباب أمام مسارات أوسع للدبلوماسية الرسمية والشعبية والأهلية. لكنها في الوقت ذاته تضع على عاتق هذه الحكومة مسؤوليات مضاعفة و متكاثفة ، أهمها بناء مؤسسات حكم قوية و راشدة، تقديم الخدمات الأساسية للشعب، وحماية حقوق المواطنين، بما يثبت للعالم أنها ليست مجرد سلطة أمر واقع انقلابيةكما هو الحال في حكومةبورتسودان، بل مشروع دولة قادرة على الحياة و الاستمرارية والاستدامة.وعليه، فإن حكومة تأسيس تدخل الآن مرحلة دقيقة عنوانها: الانتقال من الشرعية الشعبية إلى الشرعية الدولية. وهي مرحلة تحتاج إلى وعي سياسي عميق، وإدارة استراتيجية دقيقة، وحراك دبلوماسي متصل، ليصبح السودان الجديد جزءاً فاعلاً و مؤثراً ضمن الاسرةالدولية قريباً جداً، دولة سلام وعدالة ووحدة، تنبع من إرادة شعبها وتفرض حضورها في النظام العالمي و مؤسساته السياسية الاقتصادية و المالية بجدارة و إقتدار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!