رأي

الخليفة عبد الله بن محمد التقي ورسالة المتمة: من الثورة إلى دولة المؤسسات

كيف يستقيم الظل و العود اعوج 112؟ - الصديق المريود

حين رحل الإمام المهدي بعد أن حرّك وجدان السودانيين وحقق النصر على الحكم التركي–المصري، وجد السودان نفسه أمام فراغ قيادي هائل. غير أن شخصية الخليفة عبد الله بن محمد التقي برزت لتسد ذلك الفراغ، ولتنقل المهدية من كونها مجرد ثورة دينية وعسكرية إلى تجربة سياسية تسعى لتأسيس دولة بمؤسساتها ونظمها. لقد أدرك الخليفة أن بقاء الثورة مرهون بقدرتها على أن تتحول إلى إدارة وحكم، وأن السيوف وحدها لا تحمي وطناً إن لم تُسندها مؤسسات تضبط الموارد وتضمن العدل وتنظم الجيش.

ومن أبرز الشواهد على حكمته ورؤيته السياسية رسالته الشهيرة إلى أهالي المتمة، التي تكشف عن أسلوبه في الجمع بين الشرعية الدينية، والنهج السياسي، والبعد الإنساني. ففيها يقول: “بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الوالي الكريم، والصلاة على سيدنا محمد وآله مع التسليم. وبعد من عبدربه خليفة المهدي عليه السلام، الخليفة عبد الله بن محمد التقي، خليفة الصديق، إلى المكرمين كافة سكان حلة المتمة على وجه العموم فرداً فرداً… عليكم بالأمان التام في أنفسكم وأموالكم، وحيث إن هذا الأمر قد اتفقت عليه كلمة المسلمين واقتضته مصلحة الدين، وفيه الشفقة عليكم والرحمة بكم ما لا يخفى عليكم، فبادروا إلى تنفيذ الإشارة فيه بغاية الانشراح والقبول لتنالوا مزيداً من الرضا وجزيل الثواب.”

هذه الرسالة لم تكن مجرد تعليمات بإخلاء منطقة استراتيجية تمر عبرها السرايا المهدية، بل كانت وثيقة حكم تعكس روح الدولة الناشئة. فهي تبدأ بالبسملة والحمدلة والصلاة على النبي لتضفي شرعية روحية على القرار، وتخاطب الأهالي بلفظ “المكرمين” و”الأصحاب”، ما يرسخ فكرة الشراكة لا التبعية، وتبرر القرار بأنه من باب “الشفقة والرحمة” حفاظاً على حياتهم وأموالهم. لقد جمع الخليفة في خطابه بين الحزم الذي يفرضه الموقف العسكري، واللين الذي يقتضيه الوعي الإنساني. وهنا تبرز حكمته كرجل دولة يوازن بين السلطة والرحمة.

يصف نعوم شقير هذه المرحلة بقوله: “كان الخليفة عبد الله صاحب رأي سديد، شديد الحرص على حفظ النظام، وإنزال القرارات مكتوبة، مما جعل المهدية تبدو وكأنها دولة ذات مؤسسات قائمة بذاتها.” هذا الرأي يوضح كيف أن رسائل مثل رسالة المتمة لم تكن حدثاً عرضياً، بل جزءاً من سياسة مدروسة لتثبيت سلطة الدولة بالمكاتبات الرسمية.

إن أهمية هذه الرسائل تكمن في أنها عكست أسلوباً مؤسسياً في الحكم. فبدلاً من أن تُفرض الأوامر بسطوة السلاح، وُثقت كتابياً بلغة رسمية دينية–سياسية، بما يشبه إلى حد كبير المراسلات التي كان يوجهها الخلفاء الراشدون إلى ولاتهم، أو رسائل صلاح الدين الأيوبي حينما كان يخاطب أهل البلاد المفتوحة مطمئناً إياهم على حياتهم وأموالهم. الفرق أن تجربة المهدية كانت أول تجربة سودانية خالصة، خرجت من رحم مجتمعها المحلي ولم تستند إلى خبرة أو وصاية أجنبية.

لقد كانت الدولة المهدية، في عهد الخليفة عبد الله بن محمد التقي، محاولة جادة لإرساء مبدأ المؤسسية. فقد أسس دواوين كبرى: بيت المال لإدارة الموارد، القضاء لترسيخ العدل، والجهادية لبناء جيش منظم. هذه المؤسسات لم تكن مجرد هياكل إدارية، بل أدوات لضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع. وبذلك يكون الخليفة قد أسس لنهج جديد: إدارة الدولة عبر المكاتبات الرسمية والأنظمة، وليس فقط عبر أوامر فردية.

أما المشهد الأجمل في تاريخ المهدية فهو ذلك الذي جسّد وحدة القبائل السودانية تحت راية واحدة. لقد انصهرت في المهدية قبائل الجعليين والشايقية والدناقلة، والكبابيش والبطاحين والبديرية والعبدلاب، والفور والزغاوة والمساليت و التعايشة والهواوير والحوازمة، والهبانية وبني هلبة والزريقات، والمسيرية وأولاد حميد، والدينكا و شلك و النوير والبني عامر والهدندوة وأهل كردفان و دار فور بكل بطونهم، والبقارة و الابالة و جميع قبائل السودان من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه. اجتمعت هذه القبائل في مشهد مهيب، أشبه بموكب تاريخي يتقدم فيه الناس من مختلف الجهات حاملين راياتهم، ثم يضعونها جميعاً تحت راية واحدة هي راية المهدية راية الحرية و العدالة و المساواة لم يعد الفرد يُعرّف بقبيلته أو جهته، بل بانتمائه إلى الوطن والدين والمشروع الكبير. وكأن التاريخ يقول لنا: هكذا يكون السودان عندما تتوحد كلمته. وفي هذا السياق يصدق البيت المنسوب إلى المهلب بن أبي صفرة الذى يقول فيه:
تأبى الرماحُ إذا اجتمعنَ تكسُّراً
وإذا افترقنَ تكسَّرتْ آحاد.أي أن الوحدة إذا استقرت صارت عصية على الكسر كما حالنا اليوم إذا توحدنا ضد جماعة الإخوان الارهابية المجرمة الظالمة

ولعل المقارنة هنا مع تجربة محمد علي في مصر توضح الفارق. فقد أسس محمد علي دولة عصرية وفق النمط الأوروبي، لكنه فعل ذلك بيد أجنبية استعان بها في الجيش والإدارة. بينما أسس الخليفة عبد الله بن محمد التقي دولة سودانية بحتة، وظف فيها القيم الدينية والتقاليد المحلية. أما في ليبيا، فقد أقامت الدولة السنوسية كياناً دينياً واجتماعياً، لكنها لم تبلغ درجة المؤسسية الإدارية التي بلغتها المهدية في السودان. وحتى الثورة الجزائرية بعد قرن من ذلك، والتي رفعت شعار التحرر، لم تدخل مباشرة في بناء مؤسسات حكم إلا بعد الاستقلال. هذا يجعل من المهدية تجربة سبّاقة في الجمع بين الثورة والدولة.

ورغم أن النهاية جاءت مأساوية في كرري عام 1898، حين واجهت الدولة المهدية آلة استعمارية حديثة تتفوق عسكرياً، فإن الإرث الذي تركه الخليفة لم يندثر. فقد أثبت أن السودانيين قادرون على بناء دولتهم بأيديهم، وأنهم لا يحتاجون لوصاية خارجية ليقيموا نظام حكم وطني. كانت رسالته إلى المتمة أكثر من خطاب إداري؛ كانت إعلاناً عن بداية وعي سوداني بأن الدولة عقد بين السلطة والشعب، وأن الشرعية الحقيقية تُستمد من ثقة الناس ورضاهم، لا من قوة السلاح وحدها.

لقد خطّ التاريخ اسم الخليفة عبد الله بن محمد التقي كأول من حاول تحويل الثورة السودانية الكبرى إلى دولة مؤسسات. وبالرغم من قسوة الظروف، فقد ترك للأجيال درساً بليغاً: أن الدولة لا تبنى إلا بالعدل والرحمة، وأن الخطاب السياسي إذا لم يحتوِ الناس فلن يكتب له البقاء. لقد جمع في رسالته بين الدين والسياسة والإنسانية، وبذلك أراد أن تكون المهدية دولة تحكم بسلطان الشرع والضمير، لا بمجرد القوة القاهرة.

وبعد مرور أكثر من قرن، تظل تجربته ماثلة أمامنا كإرث خالد. فهو لم يكن قائداً عسكرياً فحسب، بل رجل دولة بالمعنى الكامل للكلمة. لقد خاطب شعبه بلسان الرحمة والحزم، وأدار الحكم بروح الشورى والمصلحة العامة. وكما قال الحكماء: “من لم يؤسس دولته بيده، عاش أسيراً في دولة غيره.” وهذا ما وعاه الخليفة عبد الله بن محمد التقي، فترك لنا إرثاً من الكرامة والسيادة والاعتزاز بالذات الوطنية.

اريزونا الولايات المتحدة الامريكية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!