كاربينو يكتب…واشنطن تفرض عقوبات على الإسلاميين في السودان و محاولة لكبح النفوذ الإيراني وتعزيز التحول الديمقراطي

إعلان وزارة الخزانة الأمريكية عن فرض عقوبات جديدة على فاعلين إسلاميين سودانيين في مقدمتهم جبريل إبراهيم وكتيبة البراء بن مالك يمثل خطوة نوعية في مسار التدخل الدولي في الأزمة السودانية ، هذه الخطوة تتجاوز بُعدها المباشر كعقوبة مالية تستهدف أفراداً أو جماعات لتتحول إلى مؤشر على إدراك واشنطن لطبيعة الصراع في السودان باعتباره صراعاً مُعقداً يتداخل فيه البُعد العسكري بالبُعد الأيديولوجي و يتقاطع فيه المحلي مع الإقليمي والدولي ، الولايات المتحدة هنا لا تنظر إلى الحرب الدائرة بوصفها مجرد مواجهة بين الجيش وقوات الDM ، بل كحالة تغذيها شبكات الإسلاميين السودانيين بما لهم من امتداد تاريخي داخل مؤسسات الدولة وتحالفات إقليمية تمتد إلى إيران.
تاريخياً عُرف الإسلاميون السودانيون بقدرتهم على إعادة التموضع في لحظات الانكسار سواء عبر الانخراط في السلطة أو عبر نسج تحالفات جديدة ، ففي حقبة البشير كانت هذه القوى الحاكمة قادرة على التلاعب بالمعادلات الداخلية والإقليمية واستخدام شعارات المقاومة والممانعة غطاءً لبناء شبكات مصالح معقدة ، وبعد سقوط النظام في 2019م لم يختفى الإسلاميون من المشهد بل ظلوا قوة منظمة تبحث عن مساحات للعودة ، وفي الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لعب الإسلاميون دوراً محورياً في تخطيط وإشعال الصراع ، مستفيدين من غطاء الجيش لضمان تصعيد النزاع وتحريك أطرافه لصالح أجنداتهم ، فيما وجدوا في التحالف مع إيران فرصة لإعادة إنتاج نفوذهم السياسي والعسكري.
العقوبات الأمريكية جاءت في هذا السياق لتقطع الطريق أمام إعادة تموضعهم ، ولتحمل رسالة سياسية صريحة بأن أي مشروع إسلامي مدعوم من الخارج خاصة من طهران لن يُسمح له بإعادة تشكيل المعادلة السودانية ، هذا يتسق مع التوجه الأمريكي الأشمل لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة ، والذي لم يعد مقتصراً على العراق وسوريا واليمن ولبنان ، بل امتد إلى فضاءات جديدة مثل السودان من هنا يمكن فهم استهداف كتيبة البراء بن مالك بوصفها الذراع الميداني الذي يُجسد تحالف الإسلاميين مع الحرس الثوري الإيراني ، ويوفر مثالاً حياً على كيفية توظيف الميليشيات المحلية لخدمة أجندات إقليمية.
إذا قارنا هذه الخطوة بما سبقها من عقوبات على السودان في مراحل مختلفة ، نلحظ تغيراً جوهرياً في المقاربة الأمريكية ، فالعقوبات السابقة في التسعينيات وبداية الألفية كانت تركز على طبيعة النظام برمته ، وتستهدف عزل السودان دولياً ، خاصة في ملف الإرهاب ، أما العقوبات الحالية فهي أكثر انتقائية تستهدف فاعلين بعينهم وجماعات محددة وتندرج ضمن استراتيجية دقيقة لحرمان الإسلاميين من الموارد والشرعية ، هذه الانتقائية تمنح العقوبات فعالية أكبر ، إذ تميز بين أطراف الصراع وتبعث برسائل متوازنة وهي دعم الانتقال الديمقراطي من جهة ، وتقييد الأذرع الإسلامية من جهة أخرى.
تأثير العقوبات لن يقتصر على الداخل السوداني بل سيمتد إلى شبكة التوازنات الإقليمية ، فدول الخليج خاصة السعودية والإمارات ، ستكون أمام اختبار جدي لمواءمة سياساتها تجاه السودان مع الموقف الأمريكي ، كما أن مصر التي لطالما احتفظت بخطوط تواصل مع الإسلاميين قد تجد نفسها مضطرة لإعادة حساباتها ، وفي المقابل من المتوقع أن تسعى إيران لتعزيز حضورها في السودان كرد فعل على العقوبات ، ربما عبر تكثيف الدعم العسكري والفني لفصائل إسلامية أخرى.
تأتي هذه العقوبات في وقت يمر فيه السودان بأخطر لحظاته منذ الاستقلال ، فمع تآكل الثقة بين القوى السياسية ، وتراجع فرص التسوية الداخلية ، يشكل أي ضغط خارجي على الإسلاميين رسالة واضحة بأن المجتمع الدولي لا يزال متمسكاً بمشروع التحول الديمقراطي ، لكن هذا المشروع لن يكتمل بالعقوبات وحدها بل يحتاج إلى جهد متضافر من القوى المدنية لإعادة تنظيم صفوفها وطرح بديل سياسي جامع قادر على كسب ثقة الداخل والخارج معاً.
وراء هذه التعقيدات السياسية والعسكرية يبقى الوجه الإنساني للأزمة هو الأكثر إلحاحاً فالعقوبات إن نجحت في تقليص قدرات الفاعلين الإسلاميين قد تسهم في تخفيف حدة الحرب وتمهيد الطريق لوقف إطلاق النار ، وهو ما يعني في النهاية إغاثة ملايين النازحين والجائعين ، لكن الخطر يكمن في أن يستمر الصراع فتتحول العقوبات إلى ورقة ضغط إضافية دون أثر ملموس على حياة الناس.
إن ما يلفت النظر أن الولايات المتحدة اختارت توقيتاً بالغ الحساسية ، فمع تزايد الأرقام الكارثية للنزوح والضحايا ومع استمرار انسداد أفق التسوية ، جاءت العقوبات لتقول إن واشنطن لم تعد تقف عند حدود الدعوة إلى وقف إطلاق النار ، بل دخلت مرحلة استخدام أدواتها الصلبة ، هذه خطوة تحمل بُعداً استباقياً ؛ فهي لا تستهدف فقط ما هو قائم بل تسعى إلى منع ما قد يتبلور من مشاريع إسلامية مسلحة قد تُعيد السودان إلى دائرة الحكم العقائدي.
من هنا يمكن القول إن العقوبات الأخيرة تمثل أكثر من مجرد أداة مالية إنها إعلان عن توجه دولي جديد يعترف بأن جذور الحرب السودانية لا تكمن فقط في التنافس العسكري ، بل في البنية العميقة للصراع الأيديولوجي والسياسي ، وهي أيضاً دعوة ضمنية للقوى السودانية المدنية والعسكرية لإعادة النظر في تحالفاتها ، والاقتراب أكثر من مشروع التحول الديمقراطي الذي تأخر طويلاً ، وفي المحصلة هذه ليست سوى بداية فصل جديد سيكشف عن مدى قدرة الداخل السوداني على استثمار الظرف الدولي لصالح بناء مشروع وطني ، بدل أن يبقى رهينة لتجاذبات الإقليم وصراعات القوى الكبرى.




