رأي

الحلقة الرابعة: نماذج عالمية معاصرة في تحقيق التنمية المستدامة

صالح السليمي

صالح السليمي

عندما نتأمل التجارب العالمية التي نجحت في تحقيق التنمية المستدامة، ندرك أن الطريق ليس مستحيلًا، بل هو خيار سياسي واقتصادي واجتماعي يستند إلى وضوح الرؤية وحسن الإدارة. فالكثير من الدول التي انطلقت من ظروف صعبة، أو واجهت حروبًا ونزاعات وأزمات اقتصادية، استطاعت أن تحقق قفزات نوعية بفضل تبنيها استراتيجيات تنموية واضحة ومتكاملة. السودان يمكن أن يستلهم من هذه التجارب دروسًا عميقة، لا بنية التقليد الأعمى، بل بالتركيز على الاستفادة من الخبرات العالمية وتكييفها مع خصوصيته الوطنية والثقافية.
من أبرز النماذج الملهمة تجربة رواندا. فبعد الإبادة الجماعية التي دمرت النسيج الاجتماعي وأزهقت أرواح مئات الآلاف، واجهت رواندا تحديًا وجوديًا شبيهًا بما يعيشه السودان اليوم. لكن القيادة السياسية وضعت رؤية وطنية طموحة قوامها السلام والمصالحة والتنمية، فتم التركيز على بناء المؤسسات ومكافحة الفساد وتعزيز الوحدة الوطنية. خلال عقدين فقط، تحولت رواندا إلى واحدة من أسرع الاقتصادات نموًا في إفريقيا، وصارت عاصمتها كيغالي مثالًا على النظافة والتنظيم والإدارة الرشيدة. أهم ما يميز هذه التجربة هو ربطها بين السلم الأهلي والتنمية، وهو درس بالغ الأهمية للسودان الذي يعاني من ويلات الحرب.
التجربة الماليزية أيضًا تقدم دروسًا ملهمة. فماليزيا اعتمدت على رؤية طويلة المدى عرفت باسم “رؤية 2020”، ركزت على تنويع الاقتصاد، وتحويل البلاد من الاعتماد على الزراعة والمواد الخام إلى اقتصاد صناعي وتكنولوجي متطور. استثمرت ماليزيا في التعليم والبنية التحتية، وعملت على جذب الاستثمارات الأجنبية مع الحفاظ على الاستقرار السياسي. وقد حققت بذلك نموًا متوازنًا، وارتقت بمستوى معيشة مواطنيها، لتصبح خلال عقود قليلة نموذجًا لدولة نامية تلتحق بركب الاقتصادات الصاعدة. هذه التجربة تؤكد أهمية التخطيط بعيد المدى والقدرة على تحديث الهياكل الاقتصادية بما يتناسب مع تحديات العصر.
أما إثيوبيا، فرغم أزماتها، فقد نجحت قبل اندلاع النزاعات في أن تقدم تجربة جديرة بالاهتمام. فقد وضعت الحكومة هناك خطة تنموية طموحة ركزت على استثمار الطاقة المتجددة، خاصة السدود والطاقة الكهرومائية، إلى جانب تطوير البنية التحتية وشبكات الطرق والسكك الحديدية. ونتيجة لذلك، شهد الاقتصاد الإثيوبي معدلات نمو متسارعة لسنوات طويلة، ما جعلها ضمن أسرع الاقتصادات نموًا في العالم. صحيح أن الأزمات السياسية والنزاعات أثرت سلبًا على هذا المسار، لكن التجربة تبرز أهمية الاستثمار في القطاعات الإنتاجية طويلة الأجل، وأهمية الاستقرار السياسي لضمان استمرارية التنمية.
كذلك هناك نماذج آسيوية مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة، التي أثبتت أن قلة الموارد الطبيعية ليست عائقًا أمام التنمية إذا ما استثمرت الدولة في الإنسان والتعليم والتكنولوجيا. كوريا الجنوبية خرجت من الحرب في منتصف القرن العشرين دولة مدمرة، لكنها اعتمدت على استراتيجية واضحة للاستثمار في رأس المال البشري والصناعة والابتكار، فتحولت في غضون عقود قليلة إلى قوة صناعية عالمية. أما سنغافورة، فقد نجحت رغم صغر مساحتها وقلة مواردها الطبيعية في أن تصبح مركزًا ماليًا وتكنولوجيًا عالميًا، بفضل الإدارة الحكيمة وتوظيف موقعها الجغرافي الإستراتيجي.
الدروس المستخلصة من هذه التجارب عديدة، وأهمها أن التنمية المستدامة ليست رهينة بوفرة الموارد الطبيعية فقط، بل ترتبط بقدرة القيادة السياسية على إدارة هذه الموارد بعدالة، وبناء مؤسسات قوية، وتحقيق السلام والاستقرار، ووضع الإنسان في قلب العملية التنموية. هذه النماذج تبيّن أن الشعوب يمكنها أن تنهض من تحت الركام إذا ما توافرت الإرادة والوضوح في الرؤية، وأن التنمية المستدامة ليست مجرد خيار اقتصادي بل مشروع وطني شامل يؤسس للعدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية.
بالنسبة للسودان، فإن استلهام هذه النماذج ينبغي أن يكون بوعي كامل، فلكل تجربة سياقها التاريخي والسياسي والاجتماعي. غير أن القاسم المشترك بينها جميعًا هو وجود رؤية واضحة، وإرادة سياسية قوية، ومؤسسات قادرة على التنفيذ، وشراكة فاعلة بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص. وإذا استطاع السودان أن يجمع بين هذه العناصر، مع الاستفادة من ثرواته الطبيعية والبشرية، فإنه قادر على أن يخطو خطوات واثقة نحو التنمية المستدامة، وأن يحول وفرة موارده من لعنة إلى نعمة تضعه في مصاف الدول الناهضة.

نواصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!