
نجم الدين دريسة
لقد بات من الواضح أن التجربة المريرة التي عاشها السودان تحت حكم جماعات الهوس الديني، منذ انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، ليست مجرد محطة سياسية عابرة، بل هي درس تاريخي عميق يُظهر إلى أي مدى يمكن أن يقود استغلال الدين لأغراض السلطة البلاد إلى الخراب والفوضى. وقد سبق الشهيد الأستاذ محمود محمد طه الجميع في قراءة هذه النهايات، حين قال إن حكم هذه الجماعة سيكشف زيفها ويذيق الشعب مرارات لا تُحتمل، قبل أن يُقتلعوا من أرض السودان اقتلاعاً. واليوم، وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على حكم هذه الجماعة المهووسة، يتأكد صدق تلك النبوءة.
لقد رفعت هذه الجماعات شعارات براقة، مثل «الإسلام هو الحل» و«المشروع الحضاري»، لكنها لم تكن سوى غطاء لتبرير الاستبداد ومراكمة الامتيازات باسم الدين. تحت هذه الشعارات، شوهوا صورة الإسلام السمحة، وربطوه بالاستغلال السياسي والفساد. وبمرور الوقت، انكشفت الحقائق للشعب: لم يكن الإسلام هو الذي فشل، بل أولئك الذين ادّعوا احتكاره، فأدخلوا البلاد في أتون الحروب والصراعات الداخلية، وعمّقوا الانقسامات الإثنية والجهوية، وأغرقوا مؤسسات الدولة في الفساد والزبائنية.
إن ما حدث للسودان في عهد هذه الجماعات هو انهيار شامل؛ اقتصاد منهك، بنية تحتية متداعية، هجرة العقول والكفاءات، وتفشي الفقر والبطالة، ومن ثم الحرب الشاملة في خاتمة المطاف . وعلى الصعيد الاجتماعي، انفرط عقد الوحدة الوطنية، وتفشّت الكراهية والعنصرية، وتآكلت قيم التعايش، بينما ارتفعت كلفة الحرب التي لم تبقِ ولم تذر. لقد كان أثرهم المدمّر شاملاً، حيث أضاعوا موارد البلاد وثرواتها النفطية والزراعية والمعدنية في مغامرات سياسية وحربية لم تجلب سوى الدمار.
ولم يسلم العالم من شرورهم؛ إذ أصبحت السودان في عهدهم مأوى للإرهاب ومصدراً للتهديدات، مما جلب عليه عزلة دولية خانقة، ووضعه على قوائم الدول الراعية للإرهاب. لقد كانت تلك المرحلة وصمة في تاريخ البلاد، حيث تحولت شعارات “التمكين” و”التوجه الحضاري” إلى أدوات للبطش والاستبداد، بينما انقلبوا حتى على منظريهم الأوائل مثل الدكتور حسن الترابي الذي اعترف بفشل المشروع وحاول مراجعة مساره، فتنكروا له وأقصوه من السلطة.
أما الحرب التي أشعلوها في 15 أبريل 2023 فهي النموذج الأكثر فجاجة على عقلية التدمير التي تحكمهم. لقد سعوا من خلالها لإجهاض ثورة الشعب السوداني المجيدة، وللعودة إلى السلطة ولو عبر أنهار الدماء. وكما تنبأ الأستاذ محمود محمد طه، فقد أحالوا نهار السودان إلى ليل، وجعلوا الوطن ساحة للفتنة الكبرى، وأدخلوا البلاد في أعمق أزماتها. ومع ذلك، فإن هذه الحرب، على مأساويتها، تبدو كالمحطة الأخيرة التي ستعجّل بنهاية هذه الجماعة، إذ إنها لم تعد قادرة على خداع الشعب مرة أخرى.
إن مشروع الإسلام السياسي في السودان، في صورته التنظيمية والحزبية، قد وصل إلى نهاياته المحتومة. فقد تآكل من الداخل بفعل الصراعات والانقسامات، ومن الخارج بفعل فقدان الشرعية الشعبية وتراكم الفشل. وما تبقى من محاولاتهم للتشبث بالسلطة لن يكون إلا وقوداً إضافياً لنهايتهم. وهذا ما يمنح الشعب السوداني اليوم نافذة أمل، فالسودان، بعد أن تحرر من هذه الجماعة، قادر على إعادة بناء دولته على أسس جديدة قوامها الحرية والعدالة والسلام، بعيداً عن استغلال الدين لمآرب سياسية ضيقة.
لقد انتهت حقبة “الهوس الديني” إلى غير رجعة. بقي أن يستعيد الإسلام صفاءه الروحي والخلقي بعيداً عن التوظيف السياسي، وأن يستعيد الوطن عافيته بقيادة جديدة تنبني على قيم المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية. إن هذا هو التحدي الحقيقي الذي ينتظر الشعب السوداني، وأن يحوّل تجربة الألم والمعاناة إلى طاقة لبناء مستقبل أكثر إشراقاً، وأن يجعل من دروس الماضي قاعدة لنهضة جديدة تليق ببلادٍ تستحق الحياة الكريمة بين الأمم.




