رأي

قالوا لهم: أنتم عرب؟!

حسن النعمان

 

حسن النعمان

فليجيبوا أولًا: من أنتم قبل أن تسألوا الناس عن أنسابهم؟ ومن أعطاكم مفاتيح الوطن حتى توزّعوا الانتماء كما تُوزَّع الغنائم بين المنتصرين؟

إن ما عُرف بالدولة العميقة، أو دولة 56، لم يكن مجرد انحراف سياسي عابر، بل كان انقلابًا على روح الوطن ذاته. جماعةٌ اختطفت السودان، واحتكرت صوته، ورفعت نفسها أوصياء على تاريخه وهويته ومستقبله. صنعوا وطنًا على مقاس غرورهم، ثم طالبوا الجميع أن يعيشوا داخله صامتين أو تابعين أو منفيين داخل أرضهم.

لقد فتحوا دفاتر القبائل لا ليصونوا التنوع، بل ليصنعوا خنادق بين أبناء الشعب الواحد. رسموا خطوطًا وهمية بين الناس، ثم زرعوا في تلك الخطوط ألغام الكراهية والتمييز. وضعوا أنفسهم في قمة هرمٍ زائف، وألقوا ببقية السودانيين في قاع التصنيفات المريضة، وكأن الوطن ميراث عائلي خاص، لا أرضًا ارتوت بدماء الجميع.

أيها الناس… لقد سرقوا التاريخ قبل أن يسرقوا الحاضر. شوّهوا الذاكرة الوطنية، وأخفوا بطولات رجالٍ حملوا أرواحهم على أكفّهم دفاعًا عن كرامة هذه الأرض، وعلى رأسهم الخليفة عبدالله التعايشي، الذي وقف كالطود في وجه أعاصير الغزو والاستعمار، وسجّل اسمه بدمه في صفحات المجد في تاريخ السودان. لكنهم خافوا من حضوره في الوعي الجمعي، لأن بطولته تفضح زيف روايتهم، فحاولوا طمسه، وتشويهه، ودفنه في ظلال الصمت.

لقد غذّوا الأجيال بأوهام التفوق العرقي حتى صار بعض الناس يخجل من لونه، ويشك في جذوره، ويبحث عن هوية مستعارة خارج أرضه. جعلوا الإنسان السوداني يهرب من نفسه، وكأن الانتماء لهذه الأرض جريمة تحتاج إلى اعتذار.

ثم بلغ بهم الوهم حدّ التسوّل الرمزي للأنساب، فوقفوا أمام وفود من المملكة العربية السعودية يلوّحون بادعاءات نسبٍ متخيّل، يبحثون عن ختم شرعيةٍ خارج حدود وطنهم. فجاءهم الردّ كالرعد: الأصالة لا تُشترى، والهوية لا تُستعار، ومن لا يعرف قدر أرضه لن تمنحه السماء نسبًا يعوّضه.

يا أبناء السودان… إن القضية ليست صراع أعراق ولا تنافس أنساب، بل صراع كرامة. صراع بين وطنٍ يريد أن يكون بيتًا للجميع، وبين نخبةٍ أرادته قصرًا محاطًا بأسوار الامتيازات. صراع بين شعبٍ يريد أن يعيش متساويًا في الحقوق، وبين عقولٍ لا ترى الوطن إلا مرآةً لغرورها.

السودان لم يولد بلونٍ واحد، ولم يُبنَ بثقافةٍ واحدة، ولم ينتصر يومًا بسلالةٍ واحدة. السودان وُلد من تلاقي الأنهار، ومن اختلاط الدماء، ومن تعانق الثقافات. وهذه هي قوته… وهذه هي حقيقته… وهذه هي رسالته.

وليعلم الذين احتكروا الوطنية أن الشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها لا تنسى. وأن الأوطان قد تُختطف زمنًا، لكنها تعود دائمًا إلى أصحابها الحقيقيين. فالوطن ليس دفتر نسب، وليس بطاقة امتياز، وليس شعارًا يرفعه المتسلّطون، بل هو عهد بين الأرض وأبنائها، لا يملكه من يدّعيه، بل من يضحي من أجله.

انهضوا… استعيدوا ذاكرتكم… واكسروا الأصنام التي زرعوها في عقولكم.

قولوا بصوتٍ واحد: السودان وطن الجميع، لا مزرعة نخبة، ولا ساحة استعلاء، ولا مسرح أوهام نقاءٍ عرقي لن يصمد أمام شمس الحقيقة.

فهذا الوطن أكبر من أن يُختزل، وأعظم من أن يُسرق، وأقوى من أن يُكسَر… لأن جذوره في الأرض، وروحه في شعبه، وتاريخه مكتوب بدماء الأحرار.

    حسن النعمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!