
د. خالد تارس
الأزمة السودانية لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش وقوت الدعم السريع، بل أصبحت رهينة شبكة معقدة من الولاءات (الأيديولوجية) داخل المؤسسة العسكرية. إعلان الرباعية نيتها إقصاء الإسلاميين من المشهد السياسي بشكل علني كان خطوة جريئة من حيث المبدأ، لكنه يضع الجميع أمام سؤال هل يمكن للجيش، وهو مثقل بولاءات إسلامية متغلغلة في مفاصله، أن ينفذ مثل هذا السيناريو.؟
الحقيقة أن الإسلاميين لم يغادروا الساحة ابداً، ولا عبر ديسمبر المجيدة، بل ما زالوا الممسك الفعلي بزمام العمل المسلح عبر واجهات عسكرية متعددة وتنظيمات متشابكة، الحقيقة هم قادرون على إرباك المشهد متى شعروا بالتهديد، وربما قلب الطاولة على قيادة الجيش نفسها إذا ما حاول البرهان تحييدهم، هذه المعادلة تجعل أي محاولة لإقصائهم بقرارات سياسية أو دولية، غير كافية وخطيرة على استقرار البلاد.
أعتقد أن الرباعية تجد نفسها مضطرة لتقوية موقف الجيش فقط للتخلص من سيطرة الإسلاميون، لكن المفارقة كيف يمكن تقوية مؤسسة تخترقها قيادات أيديولوجية تدين بالولاء الكامل لهذه الجماعة.؟ الحل ليس في دعم الجيش كما هو، وإنما في إعادة هيكلته على أسس مهنية جديدة، تضمن ولاءه للدولة لا للفكر أو العقيدة، وهذا يتطلب قرارات جريئة بإبعاد العناصر الأيديولوجية المتشددة، وإعادة بناء القيادة وفق معايير احترافية صرامة، مع إشراف إقليمي ودولي، يضمن أن عملية الإصلاح لا تتحول إلى مجرد تبديل للوجوه.
يجب أن يتم ذلك بالتوازي، دون تجاهل القوى المدنية التي جرى تهميشها أو تفتيتها بفعل الحرب، هذه القوى هي الضامن الحقيقي لأي انتقال ديمقراطي حر، وهي التي تستطيع صياغة مستقبل جديد لا يخضع لابتزاز السلاح أو الأيديولوجيا، إشراك هذه القوى في العملية السياسية ليس خياراً (ثانوياً).. بل هي الركيزة التي يمكن أن تبنى عليها الرباعية استراتيجيتها.
إن استمرار ارتباط الجيش بالمجموعات الإسلامية و الكتائب الجهادية، لا يشكل خطراً على الداخل السوداني فحسب، بل يهدد الأمن الإقليمي والدولي معاً، فالتوترات في منطقة البحر الأحمر، والحدود مع دول الجوار، ومخاطر تمدد الجماعات المتطرفة، كلها ملفات تجعل من الأزمة السودانية شأناً دولياً بامتياز.
الخروج من هذه الدائرة يتطلب رؤية شجاعة في بناء جيش وطني معاد هيكلته، وإسلاميون محيّدون من مفاصل السلطة، وقوى مدنية تعود إلى قلب المشهد لتقود صياغة مستقبل ديمقراطي جديد، غير ذلك ستظل الأزمة السودانية عالقة بين مطرقة الولاءات الأيديولوجية، وسندان المبادرات الدولية التي لا تجد أرضية حقيقية للتنفيذ، إلا في سياق آخر كالذي تطرحة الآلية الرباعية اليوم من حلول حازمة لإنهاء الحرب في السودان.




