رأي

بوت العسكر .. تاريخ طويل من الإساءة لسيادة القانون!!

د. خالد تارس

د. خالد تارس

في واقعة متجددة تكشف حجم الأزمة التي يعيشها القضاء السوداني تحت سطوة العسكر، رفعت المحامية ازدهار جمعة سعيد مذكرة قانونية غير مألوفة إلى قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، طالبت فيها بتدخله العاجل لإنقاذ ما تبقى من هيبة العدالة.

المذكرة وثّقت حادثة صادمة، لاعتقال متهمين تمت تبرئتهم (قضائياً) في محكمة مروي، أحدهما اقتيد بطريقة مهينة أمام حراس السجن، فيما اعتُقل الآخر من داخل عربة مواصلات عامة، في مشهد لا يليق إلا بدولة قررت أن تستبدل سلطة القانون بمنطق القوة المواجهة، والأخطر من ذلك أن الانتهاكات طالت أيضاً شهود الدفاع، ما جعل القضية تتجاوز مجرد خلل إجرائي إلى انتهاك صارخ لحرمة المحاكم وتنمّر على المحامين، وإهانة مباشرة للقضاء السوداني نفسه.!

المحامية ازدهار وصفت هذا السلوك بأنه طعن في العدالة الجنائية وإلغاء متعّمد لقرارات المحاكم، وأن ما حدث لا يمثل فقط اعتداءً على المتهمين بالتعاون مع قوات الدعم السريع، بل يمثل انتهاكاً سافراً لسيادة القانون ومخالفة صريحة للقانونية الوطنية والدولية، فالقانون الجنائي السوداني يجرّم أي فعل يعرقل سير العدالة، كما أن قانون القوات المسلحة ذاته يرفض إساءة استخدام السلطة أو مخالفة أوامر (القضاء).. أضف إلى ذلك أن المذكرة استندت إلى العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وميثاق الأمم المتحدة، وكلاهما ينص على استقلالية القضاء وضرورة الإلتزام بأحكامه.

المفارقة اللافتة أن هذه المذكرة تدعو البرهان نفسه لحماية القضاء وصون حقوق المتهمين، حتى تصبح بورتسودان عاصمة للعدالة لا مدينة للترهيب، غير أن ما يغيب عن بال الأستاذة ازدهار أن البرهان هو آخر من يؤمن باستقلالية القضاء، وآخر من يحترم سيادة القانون، فالعسكر الذين اعتادوا تحويل ساحات العدالة إلى أداة طيّعة في أيديهم، لا يمكن أن يكونوا هم الحماة لها.؟

إن القضية لم تعد مجرد حادثة عابرة، بل هي عنوان صارخ لواقعٍ مرير تتجرد فيه العدالة من هيبتها، وتُختطف فيه سلطة القانون تحت وقع (البوت العسكري). وما جرى في محكمة مروي يفضح حقيقة دولة تسير بخطى ثابتة نحو إلغاء القضاء وتحويله إلى أداة للتخويف والبطش.!

إن صمت المجتمع السوداني على هذه الانتهاكات يعني القبول بوأد ما تبقى من استقلالية القضاء، وترك البلاد رهينة لسلطة لا تعرف إلا لغة القمع والاعتقالات، لذلك فإن المعركة اليوم ليست معركة محامين أو متهمين فحسب، بل هي معركة شعب بأكمله من أجل كرامته وحقه في العدالة، فإما أن يستعيد السودانيون قضائهم ومحاكمهم المستقله ويحموا سيادة القانون، أو يظلوا أسرى لبوت عسكري اعتاد أن يدوس على كل الدساتير والمواثيق بلا رادع او كابحً وبلا حياء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!