رأي

توأمان سياميان.. الادعاء الثوري الزائف والهوس الديني المكشوف

حسن عبد الرضي الشيخ

لا يمكن فهم المشهد السياسي السوداني المعاصر إلا باعترافٍ صريحٍ بأن قوىً مختلفةً، رغم اختلاف شعاراتها وألوانها الظاهرية، تتشارَكُ إرثاً واحداً من الشمولية وحبِّ السيطرة. ومن هذا المنطلق، يصعبُ فصلُ هذه القوى عن بعضها؛ سواء كانت جماعات الإخوان المسلمين (الكيزان) أو بعض التشكيلات اليسارية التي تدّعي العلمانية والثورية. والواقعُ يُظهرُهما توأمين؛ كلٌّ منهما يُكمّل الآخر في منطق السيطرة على المجتمع وسلطة الحكم. والفرقُ الظاهر بينهما لا يغيّرُ الحقيقة الجوهرية، إذ كلاهما منتجٌ لثقافةٍ سياسيةٍ واحدةٍ دأبت على “الكنكشة” و”التكويش” على أُمّةٍ يعتبران طيبتَها ضعفاً. والمعلوم أن كليهما نتاج فكرٍ متطرّف، عنيف، وافدٍ لم ينبت في أرضنا الطيبة؛ مما حتم استحالة استزراع بذوره التالفة.

الادعاء بأن الشيوعي والكوز أعداءٌ ما هو إلا خداعٌ للإدراك. فتجربةُ السودانيين الماثلةُ أظهرت أن الطرفين ينتهجان نفسَ ممارساتِ حبِّ القيادة، واحتكار القرار، والتعظيم من آليات السلطة على حساب المشاركة الشعبية. هذا ليس مجرد انفعالٍ فرضه تماهي بعض الشيوعيين مع غطرسة الكيزان وأكاذيبهم المكشوفة، بل قراءةٌ موضوعيةٌ لمنطق التاريخ السياسي الذي أثبت أن الشمولية لا لونَ لها ولا تسميةً محددة — هي منهجٌ يتغذى على ضعفِ وإضعاف المؤسساتِ، وعلى حبِّ السيطرة المستتر.
بصياغته المضلِّلة عن «الآلية الرباعية» وحديثه “المتكوزن” عن تدخلاتها في الملف السوداني، يظهر قرشي عوض مثالاً صارخاً على أن هناك تداخلاتٍ إسلامويةً ويساريةً تسعى معاً إلى المحافظة على نفوذٍ متوهَّم.

ولنقلها بوضوحٍ صارم: ما كتبه قرشي عوض يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن هناك قوىً سياسية، سواء كانت إسلاميةً أو اشتراكيةً متطرفةً، لا تتورع عن استخدام الكذب والخداع وسيلةً للاحتفاظ بالوجود والامتياز الزائف. وهذا يفرض أن يكون النقد قوياً وعميقاً في مواجهتهما معاً. و(الطرّة) منهما — كما أسميه صراحةً — ظاهر. وأقولها بلا تردد: إن الفرق بين هذا الشيوعي وذاك الكوز ليس فرقاً جوهرياً، بقدر ما هو اختلافٌ في الزيّ السياسي. فالاثنان يرضعان من نفس الثدي: حبُّ التحكم، نزعةُ المركزية، ورغبةُ الاحتفاظ بـ”النفخة الكاذبة”. والتاريخ السياسي السوداني، منذ تجارب الحكم الأولى وحتى الصراع الثنائي بين قوى الدولة العميقة ومن يحاولون السيطرة باسم الأيديولوجيا، يؤكد أن هذه الأنماط أنتجت دوماً أنظمةً معاديةً للحرية والديمقراطية.

أقول إن كلّ من ينتمي إلى اليسار متَّهم بطبيعته؛ بل أقول إن طقوساً تنظيميةً وممارساتٍ سياسيةً داخل هذه الأجناس أصبحت جزءاً من مشهدٍ شموليٍّ متكرّر. وعلينا أن نميّز بين الفكر النزيه والمسلك السلطوي، وأن نفضح بذكاءٍ التحالفات الظاهرية أو الوهمية التي استصغرت الشعبَ السودانيَ العملاقَ وصادرت صوته. وعلينا أن نضعَ الأقزامَ “في علبهم” ولا نشدّهم أطولَ من قامتهم.

وهنا تأتي ضرورة موقفٍ وطنيٍّ واضح في محاربة الشمولية بيدٍ واحدة، وبمواجهة كلِّ أشكالها بغضِّ النظر عن الانتماء الإيديولوجي. فلا يمكن أن نبني دولةً عصريةً عادلةً وآمنةً إذا تُركت عصاباتُ السلطة والخلايا السرية تحتكرُ القرار باسم «الخطّ الثوري» أو «الخطّ الديني». الحلّ ليس في تكرار شعارٍ ضد فصيلٍ وتبرئةِ آخر، بل في بناءِ مؤسساتٍ مدنيةٍ قوية، لا بسلطةٍ فوق الدستور.
ختاماً: لن يخلع «الطرّة» ولا شقيقُه ثيابَ العظمة ما لم نقم بعمليةِ تطهيرٍ معرفيةٍ وتعريةٍ فكريةٍ حقيقية. وسنكتبُ التاريخ بعد كنس هذا التوأم إلى مزبلةِ التاريخ، رغم أن ذلك يتطلّب جرأةً سياسيةً وشجاعةً مدنيةً لا تقلّ عن جرأةِ أولئك الذين صنعوا السلطة بطرقهم البالية. والرسالة واضحة: إمّا أن نبني دولةً حرةً لا مكانَ فيها للشموليةِ بأيِّ مسمّى، أو نرتضي أن تبقى البلاد رهينةً لأقنعةٍ متعدّدةٍ على وجهٍ واحدٍ. و”الرهيفة اتنقد”..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!