
منذ بروز الحركة الإسلامية في السودان في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، ظل نهجها السياسي يقوم على تفكيك القوى المدنية، وتشويه صورتها أمام الجماهير، وصناعة أجسام بديلة تُستخدم كأدوات للتشويش والتقسيم. هذه السياسة الممنهجة لم تتوقف، بل استمرت عبر الانقلاب العسكري عام 1989، مروراً بسنوات القمع الطويلة، وصولاً إلى ثورة ديسمبر 2018 وما تلاها من انقسام داخل قوى الحرية والتغيير.
أولاً: الجذور – من الثمانينات إلى انقلاب 1989
مع تصاعد المد الديمقراطي في المنطقة عقب انتفاضة أبريل 1985 التي أطاحت بجعفر نميري، بدأت الحركة الإسلامية بقيادة الجبهة القومية الإسلامية بقيادة حسن الترابي في تثبيت مواقعها داخل الجامعات والإعلام والنقابات.
اعتمدت على الاختراق المبكر: زرعت عناصرها في الأحزاب التقليدية كالأمة والاتحادي الديمقراطي، لخلق صراعات داخلية تُضعفها.
مارست شيطنة القوى المدنية عبر منابرها الإعلامية، مروجة لخطاب أن الأحزاب فاسدة وعاجزة عن الحكم.
في النقابات، خاصة اتحاد نقابات العمال واتحاد الطلاب، لجأت إلى التزوير وتوزيع الامتيازات للسيطرة على هذه الأجسام التي كانت تاريخياً سنداً للثورات السودانية (1964 و1985).
في عام 1989، نفذت الحركة الإسلامية انقلابها العسكري بقيادة العميد عمر البشير فيما عرف بـ “ثورة الإنقاذ الوطني”. ومنذ ذلك التاريخ بدأت مرحلة جديدة من القمع المنظم والتفكيك الممنهج للقوى المدنية.
ثانياً: سنوات الإنقاذ – تدمير النقابات وتفريغ المجتمع المدني
بعد الانقلاب، أصدرت السلطة العسكرية/الإسلامية قرارات بحل النقابات المنتخبة، واستبدلتها بما سُمّي “النقابات المنشأة” أو النقابات الموالية.
1990: حل اتحاد نقابات العمال واستبداله بنقابة تحت سيطرة الحركة الإسلامية.
1992: فرض قانون “النقابات” الذي جعل النقابة مجرد ذراع للسلطة، وحظر النشاط المستقل.
جرى اعتقال وفصل آلاف النقابيين الذين لعبوا دوراً في انتفاضة أبريل 1985.
الإعلام الرسمي (التلفزيون، الصحف، الإذاعة) تحوّل بالكامل إلى أداة للشيطنة والتضليل، حيث تم ربط أي صوت معارض بالخيانة أو “العمالة للخارج”.
هكذا نجح الكيزان في تفكيك البنية المدنية، بينما عززوا سلطتهم بالتحالف بين جهاز الأمن، الحركة الإسلامية، ورجال الأعمال المرتبطين بها.
ثالثاً: بداية تصدعات النظام وصعود العمل المدني السري
من منتصف التسعينات وحتى مطلع الألفية، بدأت تظهر حركات مقاومة سرية:
في الجامعات، نشط تحالف الطلاب الديمقراطيين وواجه عنفاً شديداً من “الرباطة” (مليشيات طلابية إسلامية).
1999: انقسام الإسلاميين بين جناح الترابي (المؤتمر الشعبي) وجناح البشير (المؤتمر الوطني). رغم الخلاف، استمر الطرفان في استخدام نفس أسلوب التشويه للقوى المدنية.
الحروب في الجنوب ودارفور وجبال النوبة أضعفت صورة النظام، لكنه استغل الإعلام في تصوير نفسه كـ”حامي الإسلام”، بينما صوّر الحركات المسلحة والمعارضة المدنية كعملاء للغرب.
رابعاً: من انتفاضات سبتمبر 2013 إلى ثورة ديسمبر 2018
سبتمبر 2013
مع رفع الدعم عن المحروقات، خرجت مظاهرات واسعة في الخرطوم ومدن أخرى. رد النظام كان دموياً، إذ قتل أكثر من 200 متظاهر بحسب منظمات حقوقية.
الإعلام الكيزاني حينها صوّر المظاهرات على أنها “شغب” مدفوع الأجر.
تم شيطنة الناشطين ووصفهم بالعملاء والملحدين.
لكن، ورغم القمع، كشفت هذه الاحتجاجات ضعف قبضة النظام على الشارع.
ديسمبر 2018
اندلعت الثورة إثر أزمة الخبز والوقود، لكنها تحولت سريعاً إلى ثورة سياسية شاملة.
هنا ظهر تجمع المهنيين السودانيين، كيان نقابي مهني سري كان بعيداً عن أعين الكيزان. نجاحه في قيادة الثورة أربك الإسلاميين الذين فشلوا في اختراقه مبكراً.
مارس إعلام النظام وقتها أكبر حملة شيطنة ضد التجمع، وادعى أنه “صنيعة يسارية/علمانية مدعومة من الخارج”.
خامساً: قوى الحرية والتغيير – الاختراق وصناعة الأجسام الموازية
بعد سقوط البشير في أبريل 2019، تشكلت قوى الحرية والتغيير (قحت) كتحالف واسع يضم تجمع المهنيين، الأحزاب السياسية، ولجان المقاومة.
لكن سرعان ما أعاد الإسلاميون إنتاج تكتيكاتهم القديمة:
1. اختراق التحالف: زرع عناصر محسوبة عليهم داخل مكوناته، لإثارة خلافات بين المدنيين والعسكريين.
2. الإعلام التضليلي: استُخدمت قنوات وصحف ممولة من بقايا النظام لتصوير “قحت” كجماعة فاشلة، متناحرة، علمانية، ومعادية للإسلام.
3. صناعة أجسام موازية:
تم إنشاء ما سُمّي “قوى الحرية والتغيير – التوافق الوطني” عام 2021، وهو كيان يحمل نفس الاسم تقريباً لكنه يضم شخصيات مقربة من النظام القديم.
هذا الأسلوب أربك الرأي العام، ونجح في إضعاف الثقة الشعبية بالتحالف الأصلي.
سادساً: الانقلاب على المرحلة الانتقالية (2021) وإعادة إنتاج الشيطنة
في أكتوبر 2021، قاد الجيش انقلاباً على الحكومة المدنية بقيادة عبد الله حمدوك.
الإسلاميون كانوا في قلب هذا الانقلاب، حتى وإن أنكروا.
بعد الانقلاب، أعادت المنابر الإعلامية الموالية للكيزان خطابها القديم:
“المدنيون عملاء للسفارات”
“الثوار متمردون ضد الدين”
“النقابات مؤامرة يسارية”
وتم فعلياً إعادة تمكين الكيزان عبر السيطرة على مفاصل الدولة.
سابعاً: الحرب 2023 – 2025 واستغلال الانقسام
مع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، استغل الكيزان الموقف لتقديم أنفسهم كحماة الدولة ضد “المليشيا”.
في الواقع، انقسمت قواعد الإسلاميين بين من يساند الجيش ومن يحاول استغلال الدعم السريع.
الإعلام الكيزاني ركّز على شيطنة لجان المقاومة والقوى المدنية، واتهامها بأنها سبب الحرب.
كما ظهر خطاب “الخيانة الوطنية” ضد أي مبادرة مدنية للسلام.
https://www.facebook.com/share/p/16JVURWyNK/
ثامناً: الخلاصة
على مدى أكثر من أربعة عقود، ظل الإسلاميون في السودان يستخدمون ثلاث أدوات رئيسية للسيطرة:
1. تفكيك القوى المدنية عبر الاختراق والتقسيم.
2. الشيطنة الإعلامية التي تصور المعارضين كعملاء أو ضد الدين.
3. صناعة أجسام موازية تحمل أسماء مشابهة لتشويش الرأي العام.
منذ الثمانينات وحتى اليوم، لم تتغير هذه الأدوات، لكن ما تغير هو وعي الشعب السوداني الذي بات أكثر إدراكاً لمخططات الكيزان. ورغم محاولات الشيطنة المستمرة، أثبتت الثورات السودانية (1985، 2013، 2018) أن إرادة الجماهير لا يمكن أن تُهزم إلى الأبد.




