
يشكّل التاريخ السياسي السوداني سجلًا حافلًا بالتجارب المعقدة، حيث تكررت محاولات السيطرة على الدولة عبر تحالفات متناقضة أيديولوجيًا لكنها متشابهة في الجوهر والممارسة. ويبرز في هذا السياق تقارب الحزب الشيوعي السوداني وجماعة الإخوان المسلمين، وهو تقارب يعكس التقاء مصالح لا علاقة له بمستقبل الدولة الوطنية أو تطلعات الشعب نحو الحكم المدني الديمقراطي.
الحزب الشيوعي، المستند إلى الماركسية الأممية، ظل بعيدًا عن فكرة الدولة القطرية، معتمدًا على منظومة فكرية تجاوزها الزمن وتجاوزتها التحولات المعرفية والسياسية العالمية. في المقابل، قامت جماعة الإخوان المسلمين على خطاب عقائدي انعزالي يستند إلى فكرة الدولة الإسلامية العابرة للحدود، ما جعلها ترفض الاعتراف بالدولة الوطنية، وتستغل الدين أداة سياسية شوهت صورة الإسلام وقيمه.
ورغم اختلاف المرجعيات الفكرية، التقت التجربتان عند نقطة مشتركة: اختراق المؤسسة العسكرية وإجهاض التحول الديمقراطي. فقد نفذ الحزب الشيوعي انقلاب مايو 1969 بقيادة جعفر نميري، وهو الانقلاب الذي أطاحت به ثورة أبريل 1985 الشعبية. أما الإسلامويون فقد استغلوا المصالحة الوطنية عام 1977 لاختراق الجيش، ثم نفذوا انقلاب يونيو 1989 الذي أدخل السودان في واحدة من أكثر مراحله قتامة، اتسمت بالانتهاكات الواسعة وتفكيك مؤسسات الدولة.
هذا التوازي في المسارات جعل من الإسلامويين والشيوعيين وجهين لعملة واحدة، إذ أضاعا عقودًا من عمر السودان في تجارب سلطوية بائسة. وعلى الرغم من أن السودان يمتلك ثروات طبيعية وبشرية هائلة، فإن هذه السياسات أفضت إلى تكريس صورة السودان كدولة مصابة بـ“لعنة الموارد”، عاجزة عن استثمار إمكاناتها بسبب الصراعات السياسية والحروب المتكررة.
إن عودة مظاهر التقارب بين جماعات الهوس الديني والحزب الشيوعي اليوم لا تعدو كونها إعادة إنتاج لنهج قديم، يقوم على تغليب المصالح الحزبية على حساب مصالح الشعب. وكلاهما، بشكل مباشر أو غير مباشر، ظل يساند المؤسسة العسكرية التي تحولت إلى عائق رئيسي أمام التحول الديمقراطي، وإلى أداة لإدامة النفوذ الإقليمي، لا سيما المصري، في الشأن السوداني.
الخلاصة أن السودان لن يخرج من دائرة أزماته المتكررة إلا عبر تجاوز هذه الثنائيات الأيديولوجية التي أرهقت البلاد لعقود، والتمسك بمشروع وطني جامع يضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار.




