
نجوى بابو
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تجاوز المشهد السوداني كونه صراعًا تقليديًا على السلطة، ليتحوّل إلى أزمة وجودية تضرب في عمق الدولة نفسها، مهددةً بنيتها ووحدتها ومستقبلها. وفي قلب هذا الانهيار المتسارع، تتصدر أقاليم كردفان ودارفور والنيل الأزرق المشهد بوصفها مثلثًا ملتهبًا تتقاطع فيه نيران الحرب مع إرث ثقيل من التهميش، لتتشكل واحدة من أعقد وأخطر الأزمات في تاريخ السودان الحديث.
هذه الأقاليم، التي ظلت لعقود طويلة على هامش التنمية والخدمات، تواجه اليوم واقعًا بالغ القسوة، حيث أدى استمرار النزاع إلى شبه انهيار كامل في القطاعات الحيوية، من الصحة والتعليم إلى سلاسل الإمداد الغذائي. ملايين المدنيين باتوا رهائن لظروف إنسانية قاهرة، تتراوح بين الجوع والمرض والنزوح، في ظل قيود متزايدة على وصول المساعدات، وتراجع حاد في قدرة المؤسسات المحلية على الاستجابة.
غير أن اختزال هذه الأزمة في سياقها العسكري الراهن يظل قراءة قاصرة. فجذور الأزمة أعمق وأكثر تعقيدًا، إذ تمتد إلى إخفاقات تاريخية مزمنة في إدارة التنوع، وتوزيع السلطة والثروة، وبناء عقد اجتماعي عادل. لقد مثلت اتفاقيات سابقة، وفي مقدمتها اتفاقية السلام الشامل لعام 2005، محاولة لمعالجة هذه الاختلالات عبر ترتيبات خاصة، مثل “المشورة الشعبية”، غير أن تلك الترتيبات لم تكتمل، ولم تُترجم إلى واقع ملموس يعيد التوازن بين المركز والأطراف أو يعزز الثقة الوطنية
ومع اندلاع الحرب الأخيرة، عادت هذه التحديات إلى الواجهة، ولكن في سياق أكثر هشاشة وخطورة. فاستهداف البنى التحتية، بما في ذلك المرافق الصحية ومصادر المياه، لا يهدد فقط حياة السكان على المدى القصير، بل يفاقم فجوة التنمية، ويعمّق مشاعر التهميش، ويعيد إنتاج أسباب الصراع نفسها في دورة أكثر عنفًا وتعقيدًا.
في هذا السياق، يبرز مفهوم “الوحدة الجاذبة” بوصفه حجر الزاوية لأي تسوية مستدامة. فالوحدة، في جوهرها، ليست قرارًا سياسيًا يُفرض من أعلى، بل عملية تراكمية تُبنى على العدالة والمساواة والاعتراف بالتنوع. والتجربة السودانية، بما في ذلك انفصال جنوب السودان عام 2011، تقدم درسًا بالغ الدلالة على أن غياب هذه الأسس يقود إلى نتائج كارثية يصعب احتواؤها.
غير أن استعادة فكرة الوحدة الجاذبة اليوم تتطلب ما هو أبعد من الخطاب السياسي. إنها تستدعي مشروعًا وطنيًا جديدًا يعيد صياغة العلاقة بين الدولة ومواطنيها، ويضع في صدارة أولوياته إنهاء الحرب، وتحقيق العدالة الانتقالية، وضمان توزيع عادل للموارد، إلى جانب إطلاق عملية تنموية حقيقية تستهدف الأقاليم المهمشة بوصفها مركزًا لإعادة البناء، لا هامشًا مؤجلاً.
وفي موازاة ذلك، تبرز أهمية الدور المتنامي للمجتمعات المحلية، التي أظهرت، رغم هشاشة الدولة، قدرة لافتة على الصمود والتماسك. فقد نشأت مبادرات مدنية تسعى إلى رأب الصدع الاجتماعي وتقديم الدعم الإنساني، ما يشير إلى إمكانات كامنة لإعادة البناء من القاعدة إلى القمة. إن دعم هذه المبادرات وتوسيع نطاقها يمثل ركيزة أساسية لأي مسار وطني جامع.
يقف السودان اليوم عند مفترق طرق حاسم؛ فإما أن تستمر دوامة الحرب والتهميش، بما تحمله من مخاطر التفكك والانهيار، أو أن تُستثمر هذه اللحظة الحرجة كفرصة لإعادة تأسيس الدولة على أسس أكثر عدلاً وشمولاً واستدامة.
إن إنقاذ الدولة السودانية لم يعد رهين وقف إطلاق النار وحده، بل يتطلب إرادة سياسية صادقة، ورؤية وطنية متماسكة، وإيمانًا عميقًا بأن التنوع—الذي طالما استُخدم كذريعة للصراع—يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة، إذا ما أُحسن توظيفه ضمن مشروع وطني جامع.
ويبقى السؤال معلقًا في فضاء المستقبل: هل ينجح السودانيون في تحويل هذه الأزمة إلى لحظة تأسيس جديدة، أم أن مثلث النار سيظل مفتوحًا على مزيد من الانكسارات؟
الإجابة، كما جرت العادة، لن تُصاغ في العواصم البعيدة، بل ستُكتب بإرادة السودانيين أنفسهم، وبقدرتهم على إعادة تعريف دولتهم من جديد.


