
جمعة حراز
في يوم الجمعة الموافق 28 مارس 2026م، دوّت سماء بيام كاشا بمقاطعة السنوط – إقليم جبال النوبة – بغارة جوية غادرة استهدفت تجمعاً مدنياً خالصاً خلال مراسم عزاء، في واحدة من أبشع صور …لم يكن الحضور سوى أهلٍ يؤدون واجباً اجتماعياً، لكن القصف حوّل لحظة المواساة إلى مأساة مضاعفة، حيث سقط (46) مواطناً بين قتيل وجريح، بينهم (7) شهداء ارتقوا في الحال، فيما نُقل العشرات من المصابين إلى مراكز طبية محدودة الإمكانيات، تعجز عن استيعاب هذا الحجم من الكارثة.
وما جرى لا يمكن فصله عن سياق تصعيد خطير شهدته المنطقة خلال أسبوع واحد فقط، حيث تكررت الغارات الجوية ثلاث مرات، مخلفة أكثر من (60) قتيلاً وما يزيد عن (100) جريح، بينهم أطفال وكبار في السن، في نمط واضح يعكس استهدافاً ممنهجاً للمدنيين في جبال النوبة ودارفور وكردفان والفونج الجديدة.
هذه الجريمة تمثل دليلاً إضافياً على طبيعة الحرب التي يديرها بقايا النظام البائد ، حيث يستخدم الطائرات المسيّرة كأداة للبطش الجماعي دون تمييز، في محاولة لإخضاع المجتمعات المحلية عبر الإرهاب الجوي. وكل ذلك يتم بينما يواصل الجيش المختطف وكتائب البراء الإرهابية ارتكاب مجازر جديدة بشكل متكرر، في ظل صمت دولي مريب، يطرح تساؤلات جوهرية حول ازدواجية المعايير، وحدود المسؤولية الأخلاقية للمجتمع الدولي تجاه حماية المدنيين.
إن استهداف تجمع عزاء يرقى إلى جريمة حرب مكتملة الأركان، لا تسقط بالتقادم، وتستوجب محاسبة عاجلة لكل من خطط ونفذ وأصدر الأوامر. والأخطر من ذلك أن هذا النهج يعكس عقلية ترى في المدنيين أهدافاً مشروعة، إن ما حدث في السنوط يفرض مسؤولية أخلاقية وسياسية عاجلة على القوى الوطنية، ويستدعي تحركاً واسعاً لتوثيق هذه الجرائم وفضحها، والعمل على نقلها إلى المنابر الإقليمية والدولية، بما يضمن عدم إفلات مرتكبيها من العقاب. كما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي..إما أن يتحمل مسؤولياته في حماية المدنيين، أو يظل شريكاً بالصمت في هذه المآسي المتكررة.
ورغم فداحة المشهد، فإن تماسك المجتمعات المحلية وصمودها في وجه هذه الانتهاكات يبعث برسالة واضحة بأن إرادة الحياة أقوى من آلة الموت، وأن هذه الجرائم لن تكسر عزيمة الشعوب، بل ستزيدها إصراراً على استعادة الدولة وبنائها على أسس العدالة ..
السنوط اليوم ليست مجرد جغرافيا تنزف، بل عنوان لحقيقة دامغة.. أن دماء المدنيين أصبحت ساحة مستباحة، وأن الصمت على ذلك خيانة لا تقل فداحة عن الجريمة نفسها.




