
عادل إبراهيم مصطفي
ظلت العلاقة بين قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان والحركة الإسلامية مثار جدل متواصل، ليس فقط باعتبارها امتدادًا لإرث طويل من التمكين، بل لأنها تحولت اليوم إلى عقدة الأزمة الوطنية ومفتاح مستقبل الدولة السودانية. والسؤال الجوهري هنا: هل يستطيع البرهان أن يفكّ هذا الارتباط العضوي الذي ربط الجيش بالحركة الإسلامية لعقود، استجابةً لمطالب الرباعية الدولية؟ أم أنه يظل أسير توازنات معقدة وابتزاز سياسي تمارسه الحركة ضده، يجعل أي محاولة للخروج من قبضتها مجازفة محفوفة بالمخاطر، خاصة وأن أصواتًا داخلها هددته بالفعل؟
من الصعب أن يتجرّد البرهان من المنظومة التي نشأ في كنفها وتدرّج في ظلها. لكن المعضلة تتجاوز مسألة الانتماء الأيديولوجي لتتصل بطموح شخصي جامح ولهاث وراء السلطة. فالبرهان مستعد للتخلي عن الحركة إذا رأى أن استمرارها يهدد بقاءه، أو إذا حصل على ضمانات داخلية وخارجية تؤمّن له موقع الرئاسة. غير أنّ الحركة الإسلامية، التي نسجت شبكة نفوذها داخل الجيش منذ انقلاب 1989 عبر سياسات الإقصاء والإحلال، ما زالت متغلغلة في كل مفاصل المؤسسة العسكرية والأمنية، بحيث يجعل أي حديث عن إصلاح حقيقي في ظل وجود البرهان مجرد وهم.
لقد كان انقلاب 25 أكتوبر 2021 محاولة صريحة لإجهاض الانتقال الديمقراطي وإعادة تمكين الإسلاميين الذين أسقطتهم ثورة ديسمبر 2018. ومنذ ذلك الحين ظل البرهان يجسّد الأزمة في أوضح صورها: قائد عسكري مرتبط أيديولوجيًا بالحركة من جهة، وأسير حساباته الشخصية وخوفه من فقدان السلطة من جهة أخرى. وهو بذلك يعيش علاقة ملتبسة مع الحركة: يحاول التملص من قبضتها، لكنه في الوقت ذاته رهين ابتزازها وضغوطها الأمنية والسياسية. ولهذا تحوّلت العلاقة بين الطرفين إلى علاقة رهينة، لا يثق فيها أحدهما بالآخر.
على المستوى الدولي، جاءت ضغوط “الرباعية” (الولايات المتحدة، بريطانيا، السعودية، والإمارات) لتؤكد إدراكًا متزايدًا بأن استقرار السودان لن يتحقق إلا بإنهاء هيمنة الإسلاميين على مؤسسات الدولة. ففي سبتمبر 2025 أصدرت الرباعية بيانًا مشتركًا رسم خارطة طريق تبدأ بهدنة إنسانية، تتبعها عملية وقف إطلاق نار شامل، ثم انتقال سياسي مدني يقود إلى حكومة ذات مصداقية. غير أنّ البيان شدد على أنّ مستقبل السودان لا يمكن أن يُرسم عبر جماعات متطرفة أو مرتبطة بحركة الإخوان.
ورغم وضوح هذه الرؤية، يظل التحدي الحقيقي في غياب أدوات التنفيذ. فبقاء البرهان على رأس القيادة يعني أن أي إصلاح سيكون منقوصًا، لأنه يشكّل العقبة الأولى أمام أي تغيير يمس سلطته. وقد جاء رد سلطة بورتسودان على بيان الرباعية رافضًا، متذرعًا بأن مستقبل البلاد يقرره السودانيون وحدهم، وهو خطاب يبدو متمسكًا بشعار السيادة الوطنية، لكنه في جوهره لا يعدو كونه دفاعًا عن الوضع القائم.
إن مأساة السودان اليوم لا تنحصر في الحرب المدمرة والانهيار الاقتصادي والإنساني، بل تكمن أساسًا في أن مصيره مرهون برجل لا يملك شجاعة الانفصال عن الحركة الإسلامية ولا استقلالية القرار الوطني. فالبرهان ليس مجرد قائد للجيش، بل هو تجسيد لأزمة مؤسسة عسكرية جُرّدت من وطنيتها لصالح مشروع أيديولوجي، ثم أصبحت أسيرة لطموحات فرد يسعى للبقاء بأي ثمن.
من هنا، فإن أي حديث عن حل سياسي أو انتقال ديمقراطي لا يمكن أن يكتمل ما لم يعترف المجتمع الدولي والإقليمي، ومعه القوى المدنية في الداخل، بالحقيقة الواضحة: البرهان هو العائق الأكبر أمام الإصلاح والتحول الديمقراطي في السودان. وما لم يُزَح من موقعه، سيظل السودان يدور في الحلقة المفرغة ذاتها، حيث تُختطف الدولة بواسطة الجيش وتُستغل مؤسساتها لصالح الحركة الإسلامية، ويظل الشعب أسيرًا لصراع عبثي لا يحصد منه سوى الخراب ودفع الفاتورة الباهظة.




