
حافظ حمودة
في عام 2021 ، حازت دولة الإمارات العربية المتحدة على صفة « شريك دفاعي رئيسي » (Major Defense Partner – MDP) من قبل الولايات المتحدة ، ( وهي ثاني دولة في العالم تتحصل على هذه الصفة بعد الهند ) وهي توصيفٌ قانونيٌّ يُعدُّ أحد المراتب الأعلى في العلاقات الدفاعية بين واشنطن والدول الأخرى . ( صفة شريك دفاعي رئيسي ) هو داةٌ استراتيجيةٌ تهدف إلى ترسيم شراكةٍ دفاعيةٍ عريضةٍ ومستقرةٍ، تُبنى على توازن المصالح والتوافق الاستراتيجي .
وفقًا لقانون التفويض الدفاعي الوطني ( NDAA ) لعام 2019 ، يُحدد هذا التصنيف دولًا تُثبت استقرارًا في سياساتها الخارجية ، وتوافقًا مع الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة ، وقدرة على تحمل مسؤوليات أمنية إقليمية ، مع توفير امتيازات قانونية تُبسط مبيعات الأسلحة دون التقيد بالحصول على موافقة الكونغرس الأمريكي ، والحصول على تقنيات عسكرية حساسة ، فضلاً عن تسهيل التنسيق الأمني والإنذار المُبكر . غير أن هذه الامتيازات مشروطة باستمرار التزام الدولة بالتوافق مع سياسات واشنطن ، مما يحول التصنيف إلى أداةٍ لضبط السلوك الاستراتيجي وتعزيز الارتباط بالهيكل الدفاعي الأمريكي .
تُشكل الإمارات نموذجًا لـ«ا لاصطفاف الاستراتيجي » مع الولايات المتحدة ، والذي يستند إلى تطابق أهدافها الإقليمية مع المصالح الأمريكية . منذ تسعينيات القرن الماضي ، خاصةً بعد أحداث 11 سبتمبر2001 ، حافظت أبوظبي على تضامن واضح مع الحملات الأمريكية ضد الإرهاب ، حيث شاركت في التحالف الدولي ضد داعش (Operation Inherent Resolve ) ، وتعاونت عن كثب في استهداف شبكات الإرهابية في الصحراء العربية واليمن . ويشكل الموقف من إيران العنصر الأكثر حيويةً في هذا الاصطفاف ، إذ تُنظر الإمارات إلى التوسع الإيراني عبر وكلاء مثل حزب الله والحوثيين وبرامجها النووية كتهديد وجودي ، وهو تقييم يتوافق تمامًا مع رؤية واشنطن التي تسعى لتقييد النفوذ الإيراني في الخليج . ولذلك، ساعدت الإمارات في تنسيق مواقف مع الشركاء الأمريكيين ، بما في ذلك التصدي لهجمات الطائرات المسيرة على منشآت النفط ( مثل الهجمات عام 2019 على أرامكو السعودية ) ، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز ( التي تمر منها 30% من النفط العالمي ) . كما لعبت دورًا حاسمًا في تطبيع العلاقات مع إسرائيل عبر اتفاق « السلام الشامل » ( عام 2020 ) ، الذي تم التفاوض عليه بالتشاور مع الإدارة الأمريكية ، مما جعلها جسرًا بين واشنطن والدول العربية الراغبة في تعزيز العلاقات مع تل أبيب ، وساهم في تحقيق هدف أمريكي رئيسي هو توحيد الجبهة الإقليمية ضد إيران .
يدعم هذا الاصطفاف الاستراتيجي اعتماد الإمارات شبه الكامل على السلاح والتكنولوجيا الأمريكيةز، وهو قرارٌ ينبع من استراتيجية واعية . منذ التسعينيات، بنت الإمارات قوتها العسكرية ( EMF ) على أنظمة دفاعية أمريكية حديثة ، بدءًا من مقاتلات F-16 Fighting Falcon ، وصولاً إلى أحدث جيل من الطائرات (F-35 Lightning II) ، التي أصبحت أول دولة عربية تحصل عليها عام 2022 . كما تعتمد على أنظمة دفاع صاروخي متطورة مثل THAAD (Terminal High Altitude Area Defense)، وطائرات بدون طيار (MQ-9 Reaper) لمراقبة الحدود . هذا الاعتماد المُحكم يهدف إلى تحقيق «التشغيل البيني» العسكري مع القوات الأمريكية ، حيث صُممت الأنظمة الأمريكية لتندمج مع الشبكات الدفاعية والتحليلية الأمريكية ، مما يُسهل تنفيذ العمليات المشتركة ( مثل المناورات الجوية أو البحرية ). وبهذا، تتحول القوة العسكرية الإماراتية إلى جزءٍ من «نظام» دفاعي أوسع تقوده الولايات المتحدة ، ما يمنحها قيمةً عمليةً في تنفيذ المهام الإقليمية . ويكشف هذا النهج عن فهم عميق لحدود المناورة في المجال الدفاعي ، حيث تتجنب الإمارات تنويع مصادر تسليحها من جهاتٍ تتحدى المصالح الأمريكية ( مثل روسيا أو الصين ) ، على عكس ما فعلته دولٌ أخرى مثل مصر والسعودية ، وهو ما يعزز ثقة واشنطن في أنها شريكٌ «غير منقسم» لا يحمل مفاجآتٍ استخباراتية أو لوجستية .
يتجلى هذا التنسيق في الانخراط العسكري المُنسق مع السياسات الأمريكيةز، حيث تستضيف الإمارات قاعدة عفيف الجوية ( التي تُستخدم في عمليات التدريب والإنذار المُبكر) ، وقاعدة دبي البحرية ( التي تُسهم في حماية الممرات التجارية ) ، كما تشارك في مناورات مشتركة مثل «Eager Lion» التي تُنظم سنويًّا في الأردن . وفي ملف اليمن، على الرغم من مشاركتها في التحالف الذي تقوده السعودية ، حافظت على دور محدود ومُتحكم به ، حيث ابتعدت عن التصعيد الميداني الواسع وركزت على مهام محددة مثل مكافحة الإرهاب ، مما جعل تنسيقها مع واشنطن أكثر سلاسةً مقارنةً بسلوك الرياض الذي انتقدته الإدارة الأمريكية مرارًا بسبب الخسائر المدنية . هذا النهج يعكس فهمًا دقيقًا لاحتياجات الشريك الأكبر، حيث تختار الإمارات تنفيذ المهام المطلوبة دون محاولة فرض رؤيتها الخاصة ، مما يُقلل من هامش الخلافات السياسية .
جيوستراتيجيًا ، تُقدّم الإمارات خدماتٍ لا يُستهان بها في أمن الممرات البحرية الحيوية ، خاصةً مضيق هرمز الذي يُعتبر «شريان الاقتصاد العالمي» . فموقعها الجغرافي في خليج عمان والبحر الأحمر يسمح لها بنشر قوات بحرية ومراقبة جوية لضمان حرية الملاحة ، والانخراط في حملات التحالف الدولي مثل Task Force Sentinel التي تقودها الولايات المتحدة . وفي الوقت نفسه ، تتجنب الإمارات التخندق السياسي الذي قد يُهدد علاقاتها مع واشنطن ، حيث تحافظ على اتصالات اقتصادية مع إيران ( مثل تجارة النفط والتعاون في مسائل مياه الخليج ) دون أن تُضعف التزامها بالعلاقة الأمريكية ، وهو توازنٌ دقيقٌ تُقدّره واشنطن كـ«وظيفي» لا يهدد الهيكل الأمني الإقليمي الذي تقوده .
أحد العوامل الحاسمة التي ميّزت الإمارات هو غياب السلوك التفاوضي الضاغط أو المطالب بالاستقلالية الحادة ، حيث لم تحاول في المفاوضات حول مبيعات الأسلحة أو الاتفاقيات الدفاعية فرض شروطٍ خارج الإطار المحدد من قبل واشنطن. على سبيل المثال ، بينما علّقت الولايات المتحدة مبيعات أسلحة إلى دولٍ أخرى بسبب مخاوف حقوقية ، استمرت الإمارات في استقبال أحدث الأنظمة (مثل F-35) دون رفع مطالب مُعقدة . كما تبتعد عن دعم مواقف روسية أو إيرانية في المنظمات الدولية ، ولا تنسق مع قوى تتحدى الهيمنة الأمريكية في المجال الدفاعي ، مما يجعل سلوكها «قابلًا للتنبؤ» ، وهو معيارٌ محوريٌ في التقييمات الأمريكية لاختيار الشركاء الاستراتيجيين .
منحت الولايات المتحدة الإمارات صفة ( شريك دفاعي رئيسي ) بجانب تعزيز مكانتها كشريكٍ موثوق ، الي تعظيم مصالحها الخاصة عبر تقليل التكاليف الدفاعية وتوسيع النفوذ دون نشر قواتٍ أمريكية دائمة . ففي المقابل ، حصلت الإمارات على وصولٍ غير مسبوق إلى أحدث التكنولوجيات العسكرية ( مثل أنظمة الذكاء الاصطناعي في المراقبة ) ، وتعزيز لدورها الإقليمي كحليفٍ استراتيجي لأمريكا، وتنميةٍ لقدراتها الدفاعية المحلية عبر نقل المعرفة التقنية . ومع تنامي التعددية القطبية وصعود قوى مثل الصين وروسيا ، قد تواجه العلاقة تحدياتٍ في الحفاظ على هذا التوازن ، خاصةً مع تزايد البدائل التكنولوجية خارج الإطار الأمريكي . لكن ما دامت الإمارات تدرك أن هامش المناورة في المجال الدفاعي محدودٌ مقارنةً بقدراتها الاقتصادية ، وفهمت واشنطن أن قيمتها المضافة ( التقنية والضمانات الأمنية ) تبقى غير قابلة للتعويض ، فإن هذه الشراكة ستستمر كمعادلةٍ مُربحةٍ للطرفين . ففي عالمٍ تتنافس فيه المصالح وتتداخل فيه التحالفات ، تبرز الإمارات كنموذجٍ للدولة التي تحوّلت من «مُستهلك» للحماية إلى «شريكٍ فعّال» في صنع الأمن الإقليمي ، بينما تؤكد واشنطن أن التصنيفات الدفاعية انها أدواتٌ لرسم خريطة النفوذ في عصرٍ تزداد فيه المنافسة الاستراتيجية تعقيدًا .
حافظ حمودة
11 يناير 2026




