رأي

هل سيشعل تأسيس الآمال؟

ايمان التجاني

 

إيمان التجاني

في بلادٍ أنهكها التاريخُ جوعًا وخُطَبًا، تتكئ الأرواح على أطلالها كأمهاتٍ ينتظرن أبناءً لم يعودوا من الحرب. السودان اليوم ليس مجرد وطنٍ منكوب، بل قصيدةٌ انكسرت أبياتها في منتصف النهر، بين الدم والرجاء. من دارفور إلى الخرطوم، ومن جبال النوبة إلى بورتسودان، لا صوت يعلو فوق أنين الأرض التي كانت تُنبت قمحًا وأملًا، وصارت تُنبت رمادًا وخوفًا.

ثلاثون عامًا من حكم “الإنقاذ” لم تكن مجرد مرحلة سياسية، بل كانت زمنًا من التيه الروحي والوطني، اختُطفت فيه البلاد باسم الدين والوطن، حتى غدت أسيرةً في يد قلةٍ من المنتفعين الذين جعلوا من السلطة غايةً ومن الدين وسيلةً. سرقوا من خزائن الوطن ما استطاعوا، ونهبوا من قلوب الناس ما هو أثمن: الثقة في الدولة، والإيمان بالعدالة، والأمل في الغد.

باعوا النفط بأسماء الله، وهرّبوا الذهب تحت راياتٍ كاذبة، ووزّعوا الوطن كغنيمة بين أهل الولاء والطاعة. كانت الدولة، طوال تلك العقود، تُدار كإقطاعية حزبية مغلقة، فيها يُكافأ الانتماء ويُعاقب الاختلاف. ومع ذلك، ظل الشعب السوداني يقاوم بصمته ووعيه، ويؤمن أن الشمس لا يمكن أن تُحبس خلف جدار الظلم إلى الأبد.

ثم جاءت الحرب الأخيرة لتكون ذروة المشروع التدميري نفسه، لا حدثًا طارئًا. حربٌ ولّدتها تراكمات القهر، وأشعلتها عقلية الغنيمة، وأدارتها ذات النخب التي ورثت دولةً مشوّهة وأرادت أن تبقيها على حالها. لكنها — رغم قسوتها — كشفت الحقيقة العارية: أن السودان القديم، الذي بُني على التفاوت والتمييز والهيمنة، قد مات فعلاً، وأن وطنًا جديدًا يُحاول أن يولد من رماد الخراب.

في قلب هذا الجحيم، يولد الأمل. فكل رصاصةٍ تُطلق اليوم تُذكّرنا بضرورة بناء دولة لا تحتاج إلى الرصاص لتستمر. وكل بيتٍ يُدمَّر هو وعدٌ بإعادة الإعمار على أسسٍ أكثر عدلاً وإنسانية. من تحت الركام، تتشكل فكرة السودان الذي نحلم به: سودان العدالة الاجتماعية، والمواطنة المتساوية، والتنمية المتوازنة.

الجيل الذي خرج من بين الأنقاض يحمل في يده الوعي، لا الكراهية؛ يحمل الحلم، لا الحقد. هو جيلٌ لا يريد أن يرث الخراب، بل يريد أن يؤسس الأمل. جيلٌ أدرك أن الدولة التي تُبنى على الدماء لا تدوم، وأن إعادة التأسيس ليست شعارًا سياسياً، بل مشروع حياةٍ كاملة لإعادة تعريف الوطن والإنسان.

قد تكون الطريق طويلة، مليئةً بالأشواك، لكن التاريخ لا يُكتب بالهزائم وحدها. ففي كل رمادٍ سودانيٍّ الآن، هناك بذرة تنبض بالحياة. سيأتي يومٌ ينهض فيه السودان من تحت الغبار، لا ليُعيد إنتاج ماضيه، بل ليؤسس مستقبله من جديد، وطنًا يبنيه أبناؤه من ركام الحروب، ومن أنقاض الظلم النخبوي الموروث، وطنًا يُشعل الأمل ويقود الأشواق نحو فجرٍ جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!